الاتحاد من أجل المتوسط ومستقبل الشراكة الأورو - متوسطية
* سامية بيبرس


جاء انعقاد القمة التأسيسية لـ 'الاتحاد من أجل المتوسط' Union for the Mediterranean فى باريس فى الثالث عشر من يوليو 2008 تتويجا للمساعى الحثيثة التى بذلها الرئيس الفرنسى 'نيكولا ساركوزي' من أجل إطلاق هذا التجمع الإقليمى الجديد، وذلك بعد سجالات أوروبية طويلة وتحفظات عربية عديدة.

وجدير بالذكر أن هذا الكيان الجديد قد طرح فى بدايته - كمشرع فرنسى خالص - من قبل الرئيس 'ساركوزي' تحت اسم 'الاتحاد المتوسطي' Mediterranean Union فى خطوة فسرها البعض بأنها تعكس سعى باريس لتعزيز دورها فى المنطقة المتوسطية. وقد تركزت فكرة 'ساركوزي' على إنشاء اتحاد إقليمى يكون مقصورا على البلدان المطلة على البحر المتوسط، ويستثنى البلدان الأوروبية الشمالية. وقد أثارت دول جنوب المتوسط العديد من الشكوك حول هذا المشروع، إلا أن المعارضة الأكثر قوة قد جاءت من قبل الدول الأوروبية، حيث تزعمت ألمانيا حملة معارضة لمشروع ساركوزى المتوسطى، الأمر الذى دفعه إلى خفض سقف طموحاته وتقديم تنازلات وذلك من أجل الفوز بالموافقة الأوروبية. وخلال القمة الأورو - متوسطية التى عقدت فى باريس بتاريخ 13 يوليو، تم إطلاق 'الاتحاد من أجل المتوسط'. وقد تضمنت وثيقة البيان الختامى المشترك الصادر عن القمة الأهداف التى يسعى الاتحاد إلى تحقيقها، والمشاريع الإقليمية ذات الأولوية وآليات وأجهزة الاتحاد.

أولا- مراحل التأسيس :

مشروع ساركوزى حول الاتحاد المتوسطى :

إن التاريخ الشخصى للرئيس الفرنسى 'نيكولا ساركوزي' كان من المفترض أن يدفعه إلى الاهتمام بأوروبا الشرقية، إلا أن ولعه بالمتوسط، حتى قبل وصوله إلى الإليزيه، هو الذى يفسر خطابه التأسيسى فى مدينة 'طولون' قبل أشهر من الانتخابات، حينما طرح - وللمرة الأولى - مشروع إنشاء 'الاتحاد المتوسطى Mediterranear union'. وبعد إعلان فوزه فى الانتخابات فى مايو 2007، عاد الرئيس الفرنسى ليؤكد هذا المشروع كهدف من الأهداف ذات الأولوية التى يسعى إلى تحقيقها.

وقد ارتكزت فكرة 'ساركوزي' على إنشاء اتحاد إقليمى يكون مقصورا على البلدان المطلة على المتوسط، ويستثنى البلدان الأوروبية الشمالية، وأن يكون له إطار مؤسسى أقوى من إطار 'عملية برشلونة'. وقد ارتكز مشروع 'الاتحاد المتوسطي' - وفقا لرؤية الرئيس 'ساركوزي' - على مبدأين أساسيين هما: الندية فى التعاون بين مختلف الأطراف، حيث تقدم مشاريع التعاون الملموسة بشكل مشترك بين دول جنوب المتوسط ودول شماله. أما المبدأ الثانى، فيتمثل فى الهندسة المتغيرة، بمعنى أن تنفيذ أى مشروع مشروط بتطوع أى دولة ترغب فى تنفيذه.

وقد أطلق مشروع 'الاتحاد المتوسطي' خلال مؤتمر روما الثلاثى الذى عقده زعماء كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا فى 20 ديسمبر 2007 . وقد صدر من هذا المؤتمر ما يسمى بـ 'نداء روما' الذى دعا زعماء الدول المطلة على البحر المتوسط إلى مؤتمر يتم عقده فى باريس فى يوليو 2008 لطرح الرؤية الشاملة حول 'الاتحاد المتوسطي'. وقد انطلقت الرؤية 'الساركوزية' لأهمية إنشاء هذا التجمع الإقليمى الجديد من عدة اعتبارات داخلية وخارجية. وبالنسبة للاعتبارات الداخلية، فتتمثل فى إعادة بناء النظام الفرنسى على أسس أكثر كفاءة وفعالية باستلهام روح وآليات النموذج الأنجلو - ساكونى، وإغلاق الباب أمام الهجرة غير الشرعية، خاصة القادمة من العالمين العربى والإسلامى، وفتحه فقط أمام هجرة منتقاة للكفاءات تتناسب واحتياجات فرنسا الديموجرافية والاقتصادية، هذا إلى جانب إعادة تأهيل ودمج الأجانب المقيمين فى فرنسا للتأقلم مع أنماط القيم السائدة فى المجتمع الفرنسي. وفيما يتعلق بالاعتبارات الخارجية، فتتمثل فى الرغبة الفرنسية فى القيام بدور المهيمن الإقليمى داخل حوض المتوسط، باعتبار أن منطقة المتوسط هى منطقة نفوذ قديمة تريد فرنسا دخولها من جديد، هذا إلى جانب مساعى 'ساركوزي' لاستعادة الحضور الفرنسى فى منطقة المغرب العربى، بعد سنوات من التراجع والتباعد، ولمواجهة تنامى النفوذ الأمريكى والصينى فى هذه المنطقة، والمتجسد بشكل أساسى فى مشروعات واستثمارات أمريكية وصينية عملاقة. ومن ضمن الاعتبارات الخارجية أيضا رغبة فرنسا فى استعادة موقعها ومكانتها داخل البنية العسكرية لحلف الأطلسى، ولا يعنى هذا التسليم بطموحات الهيمنة الأمريكية، وإنما المساعدة فى بناء نظام عالمى متعدد الأقطاب تلعب فيه أوروبا - بقيادة فرنسا - دور الشريك للولايات المتحدة، وليس دور التابع. وبالإضافة إلى التحديات التى يمثلها النظام الدولى الراهن الأحادى القطبية، فهناك تحد آخر من داخل أوروبا نفسها قد دفع فرنسا إلى إطلاق مشروع 'الاتحاد المتوسطي'، ألا وهو النفوذ الألمانى المتزايد والمتسع نطاقا بعد إعادة توحيد ألمانيا، وبعد وراثتها النفوذ السوفيتى فى معظم دول أوروبا الشرقية (الشيوعية سابقا).

وما كان لفرنسا بالطبع أن تحافظ على الحد الأدنى من قوتها الإقليمية داخل أوروبا عن طريق مزاحمة ألمانيا فى منطقة نفوذها الجديدة، وإنما فقط من خلال صلتها بمنطقة نفوذها السابقة فى المتوسط فى جنوبه وشرقه على وجه التحديد، وهى الصلة التى يحاول 'ساركوزي' إعادة تفعيلها وتوطيدها من خلال طرحه لمشروعه الخاص بـ 'الاتحاد المتوسطي'. وبالإضافة إلى هذه الاعتبارات، يرى العديد من المراقبين السياسيين فى هذا المشروع استراتيجية مبيتة للرئيس الفرنسى بهدف تحييد تركيا لمنعها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وإلى جانب ذلك، يعمل المشروع الفرنسى على ضم إسرائيل فى مشاريع إقليمية لتصبح بذلك واقعا أمام الدول العربية الأخرى التى لا تزال ترفض التطبيع مع الدولة العبرية.

وبالرغم من الشكوك التى أثارتها العديد من دول جنوب المتوسط، إلا أنه قد لوحظ أن المعارضة الرئيسية للمشروع قد جاءت من قبل الدول الأوروبية، حيث تزعمت ألمانيا حملة المعارضة، وانضمت إليها هولندا وبلدان أوروبا الشرقية. فقد وجهت المستشارة الألمانية 'أنجيلا ميركل' انتقادات حادة لمشروع 'ساركوزي'، معربة عن مخاوفها من أن يؤدى إلى تفكيك كيان الاتحاد الأوروبى، ومؤكدة ضرورة أن يكون التعاون المشترك لبعض دول الاتحاد الأوروبى مفتوحا للجميع، وأن يحظى بموافقة الجميع. وانتقدت على وجه التحديد مسألة مشاركة دول قليلة من الاتحاد الأوروبى دون باقى الدول فى 'الاتحاد المتوسطي'، على الرغم من أنها ستشارك بتمويل من الاتحاد الأوروبى فى النهاية، وهو ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الدول فى الاتحاد.

وقد أعربت سلوفينيا - التى تولت رئاسة الاتحاد الأوروبى فى النصف الأول من عام 2008 - عن معارضتها لمشروع 'ساركوزي'، على اعتبار أنه يحمل تعارضا مع مؤسسات الاتحاد الأوروبى، ودعت فى هذا الشأن إلى ضرورة الإبقاء على الإطار الراهن للتعاون الأورو - متوسطى ممثلا فى عملية برشلونة.

وقد جاءت المعارضة أيضا من جانب الضفة الشمالية للمتوسط، خاصة إسبانيا وإيطاليا، فهما على الرغم من تأييدهما المبدئى للمشروع، إلا أنهما تشعران بضيق شديد من انفراد باريس باللعب بالورقة المتوسطية ومساعيها لاحتلال مركز الزعامة فى المنطقة المتوسطية. فقد كشفت مصادر مطلعة عن أن تصريحات وزير الخارجية الإسبانى حول الإشادة بالمشروع الفرنسى تخفى قلقا واسعا فى أوساط الحكومة الإسبانية، وحتى المعارضة، من دخول باريس مع إسبانيا على خط التنافس والتصارع للسيطرة على الأسواق المغاربية، ناهيك عن تخوف مدريد من تقاطع المشروع الفرنسى بشكل جوهرى مع عملية برشلونة للشراكة الأورو - متوسطية. ومن ناحيتها، التزمت روما بالصمت إزاء المشروع، وإن عبرت عن تأييدها المبدئى له، فهى لا تنظر بعين الارتياح إلى الانفراد الفرنسى بالزعامة.

وقد عارضت تركيا أيضا المشروع، واعتبره مسئولوها بمثابة فخ للإيقاع بالأتراك وإخراجهم عن مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

المجلس الأوروبى يقر 'الاتحاد من أجل المتوسط' :

وفى ضوء المعارضة الأوروبية الشديدة للمشروع الفرنسى حول 'الاتحاد المتوسطي'، والتى قادتها ألمانيا، الأمر الذى أنذر بحدوث أزمة سياسية بين البلدين، سعت القيادة الألمانية إلى ممارسة ضغوطها بهدف وضع المشروع برمته تحت إشراف الاتحاد الأوروبى بكامل أعضائه. وخلال اجتماع عقدته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس الفرنسى فى هانوفر فى شهر مارس 2008، تم التوصل إلى حلول وسط، حيث اضطر 'ساركوزي' إلى تقديم تنازلات بهدف الفوز بالموافقة الأوروبية على مشروعه. وقد تم الاتفاق على تعديل اسم المشروع ليكون اسمه الجديد هو 'الاتحاد من أجل المتوسط 'The Union for the Mediterranean
وخلال اجتماع المجلس الأوروبى الذى عقد يومى 13 و14 مارس 2008 فى بروكسل، أقر قادة الاتحاد الأوروبى مشروع 'الاتحاد من أجل المتوسط'، وأصروا على أن يكون الاسم الرسمى للاتحاد هو: 'عملية برشلونة .. اتحاد من أجل المتوسط'، فى إشارة إلى أن هذا الاتحاد جزء من عملية برشلونة، وأنه لن يكون بديلا عنها، وإنما مكمل لها. وهكذا، انصاع 'ساركوزي' للمطلب الأوروبى بدمج الاتحاد الجديد ضمن مسار برشلونة، بحيث يمكن اعتباره امتدادا له أو - على أقل تقدير - تفعيلا له، بعد أن أصابه الجمود بسبب تعثر عملية السلام فى الشرق الأوسط.

والواقع أنه قد لوحظ وجود مفارقة كبرى بين طريقة التعاطى الأوروبى وطريقة التعاطى العربى مع مشروع ساركوزى المتوسطي. فبينما أسفرت التفاعلات الأوروبية حول هذا المشروع عن صيغة توفيقية بين المصالح الأوروبية المتباينة بل والمتعارضة، نجد أن التفاعلات العربية لم تتمكن من التوصل إلى رؤية مشتركة تجاه المشروع الفرنسى - الأوروبي.

وفى إطار الجهود المبذولة لتنسيق المواقف العربية إزاء الاتحاد الجديد، عقد وزراء خارجية وممثلو كل من مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والأمين العام لجامعة الدول العربية، اجتماعا بالقاهرة فى 24 مايو 2008، وقد ترأس الاجتماع وزير الخارجية المصري/ أحمد أبو الغيط. وقد أجرى الوزراء مناقشة متعمقة لموضوع 'الاتحاد من أجل المتوسط'، بما فى ذلك مسألة مشاركة جامعة الدول العربية فى هذا الاتحاد بصفة مراقب، واستضافة الجنوب لمقر الأمانة العامة للاتحاد. وتحدثت مصادر فى هذا الشأن عن إمكان استضافة المغرب أو تونس للمقر. وقد تم خلال هذا الاجتماع الاتفاق على أن تعد القاهرة - باعتبارها المنسق العربى - ورقة يتم طرحها فى الاجتماع العربى - الأوروبى فى 9 و10 يونيو 2009 فى سلوفينيا. وقد أشار وزير الخارجية المصرى فى هذا الشأن إلى أن الطرح العربى سيكون طرحا متطورا، وأنه ليس طرحا نهائيا.

وقد أثار مشروع 'الاتحاد من أجل المتوسط' العديد من التحفظات من قبل العديد من الدول العربية، مخافة أن يكون هذا الاتحاد الجديد مظلة للتطبيع والتعاون مع إسرائيل، وهو ما ترفضه الأطراف العربية قبل تحقيق التقدم المنشود فى عملية السلام. كما أثارت البلدان العربية عدة تساؤلات حول الهيكل التنظيمى للاتحاد وشكل المؤسسات ومصادر تمويله، ونمط اتخاذ القرارات فيه. وفى هذا الإطار، كانت الجزائر قد أعربت عن تحفظها على الكيان الإقليمى الجديد، وأكدت مصادر دبلوماسية أن الرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة لم يحدد أو يحسم بشكل نهائى موقف الجزائر من الاتحاد. وخلال اجتماع منتدى دول المتوسط، الذى عقد فى العاصمة الجزائرية فى 6 يونيو 2008 - وتمحورت أعماله فقط حول موضوع الاتحاد من أجل المتوسط - أعلن وزير الخارجية الجزائرى 'مراد مدلس' أن بلاده تنتظر 'توضيحات' حول الاتحاد قبل إعلان مشاركتها فى قمة باريس التى سيعلن خلالها رسميا عن تأسيس الاتحاد. وأضاف أن الغالبية العظمى من الدول المشاركة فى هذا المنتدى لديها تساؤلات حول هذا الاتحاد الجديد، بما فى ذلك مسمى 'الاتحاد' ذاته، على اعتبار أنه يضع الدول الشمالية والجنوبية الأعضاء فيه على قدم المساواة، وهو الأمر الذى يتناقض مع الواقع، حيث إن علاقات دول الاتحاد الأوروبى بدول جنوب المتوسط غير متوازنة. وقد أشار وزير الخارجية الجزائرى إلى أن الشعوب العربية تبحث عن إيضاحات حول نتائج مشاركة إسرائيل فى عضوية هذا الكيان الجديد. وأكد أن أى تطبيع للعلاقات مع إسرائيل ينبغى أن يرتكز على مبادرة السلام العربية لعام 2002 . وبالنسبة لليبيا، فقد أعلنت رفضها للاتحاد الجديد، حيث وصف عقيدها معمر القذافى - خلال القمة العربية المصغرة المنعقدة فى طرابلس فى 10 يونيو 2008- هذا الاتحاد بأنه 'إهانة للعرب والأفارقة'، وأن الدول، سواء الأعضاء فى جامعة الدول العربية أو الاتحاد الإفريقى، لن تخاطر بتمزيق وحدتها العربية أو الإفريقية مقابل الانضمام لهذا التجمع الإقليمى الجديد. وقد اقترح العقيد فى هذا الشأن أن يتم التعاون بين أوروبا ودول المنطقة عبر جامعة الدول العربية أو الاتحاد الإفريقى، خصوصا أن التعاون الأورو-متوسطى، متمثلا فى مسار برشلونة، قد سبق أن واجه فشلا ذريعا.

وعلى الرغم من اقتراب موعد انعقاد القمة التأسيسية للاتحاد فى باريس، فقد لوحظ غياب موقف عربى موحد ومحدد مبنى على المصالح المشتركة. وزيادة على ذلك، ثارت الانقسامات العربية حول بعض المناصب القيادية وتوزيع الأدوار داخل الاتحاد. فعلى سبيل المثال، ثارت الخلافات العربية، خاصة بين تونس والمغرب، حول من يستضيف الأمانة الدائمة للاتحاد. وهكذا، شاركت الدول العربية المعنية فى قمة باريس، كل وفق أجندته الخاصة، وفى ظل غياب أجندة عربية مشتركة.

انعقاد القمة التأسيسية للاتحاد من أجل المتوسط :

وقد تم إطلاق مشروع الاتحاد من أجل المتوسط بشكل رسمى فى قمة باريس المنعقدة فى 13 يوليو 2008 بحضور قادة أو ممثلى 43 دولة. وقد ترأس الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى، رئيس الاتحاد الأوروبى، التجمع المتوسطى الجديد، وشاركه فى الرئاسة الرئيس المصرى حسنى مبارك، ممثلا لدول جنوب المتوسط. وقد تناولت القمة، عبر أربع جلسات عمل، موضوعات البيئة والطاقة والأمن الغذائى والحماية المدنية والحوار السياسي. وقد أصدرت قمة باريس فى ختام أعمالها بيانا مشتركا، تم خلاله تأكيد أن هذه المبادرة يمكن أن تلعب دورا مهما فى مواجهة التحديات المشتركة التى تواجهها المنطقة الأورو - متوسطية، مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأزمة العالمية فى مجال الأمن الغذائى، وتدهور الوضع البيئى، والطاقة، والهجرة، ومكافحة الإرهاب والتطرف، والارتقاء بالحوار بين الثقافات. وقد شدد البيان الختامى على أهمية المشاركة الناشطة للمجتمع المدنى والسلطات المحلية والإقليمية والقطاع الخاص فى تنفيذ عملية برشلونة.. اتحاد من أجل المتوسط. كما أكد تعزيز الديمقراطية والتعددية السياسية من خلال تطوير توسيع المشاركة فى الحياة السياسية والالتزام الكامل بحقوق الإنسان وبالحريات الأساسية. وقد أكد رؤساء الدول والحكومات، من خلال البيان المشترك، مجددا إدانتهم للإرهاب بكل أشكاله ومظاهره، وعزمهم مكافحته والقضاء عليه. كما ركزوا أيضا على أهمية تعزيز الهجرة الشرعية الخاضعة لإدارة منظمة ومكافحة الهجرة غير الشرعية. وقد ألقى الصراع العربى - الإسرائيلى بظلاله على القمة، حيث أدى خلاف إسرائيلى - فلسطينى حول إحدى الفقرات الى إدخال تعديل على البيان الختامى المشترك. فبينما أصر الجانب الإسرائيلى على إدراج عبارة 'دولة للشعب اليهودي'، فقد عارض الجانب الفلسطينى إدراج هذه العبارة، وعليه فقد اكتفى البيان بالتأكيد مجددا على دعم القمة لعملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية، وفقا لما ورد فى الاجتماع الوزارى اليورو - متوسطى فى لشبونة (نوفمبر 2007) ووفقا لعملية أنابوليس . وتجدر الإشارة الى عدم تطرق البيان للحقوق الثابتة للشعب الفلسطينى أو إلى حل قائم على إنشاء دولتين، ناهيك عن عدم إشارته على وجه الإطلاق الى مبادرة السلام العربية. وقد اكتفى البيان بتعهد الأطراف بالسعى الى إقامة منطقة فى الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية ومنظومات الإيصال .

ثانيا - الأهداف والأعضاء :

وتتمثل أهداف الاتحاد فى فتح مرحلة جديدة من التعاون فى المتوسط بإضفاء انطلاقة جديدة على العملية التى بدأت فى برشلونة فى 1995، ومن ثم تطوير عملية برشلونة لتصبح شراكة حقيقية بين الشمال والجنوب. ويستهدف الاتحاد، بالإضافة الى التعاون القائم بالفعل، دعم التقارب بين المشاركين عن طريق تطوير مشاريع جديدة ملموسة ذات بعد إقليمى . وتكمن القيم الثلاث المضافة لتجمع 'اتحاد من أجل المتوسط'بالقياس إلى عملية برشلونة الحالية فيما يلى : رفع المستوى السياسى لعلاقة الاتحاد الأوروبى بشركائه المتوسطيين ، والعمل على تحسين تقاسم المسئولية فى إطار العلاقات متعددة الأطراف، وتعزيز المشاركة فى اتخاذ القرارات بين الأعضاء ، وأخيرا إطلاق مشاريع كبرى ملموسة موحدة ذات بعد إقليمى، تكون مفتوحة لجميع الشركاء المهتمين، ويجرى تنفيذها وفقا لمبدأ الهندسة المتغيرة مع إشراك القطاع الخاص. وتتمثل المشاريع الإقليمية ذات الأولوية فى إزالة التلوث فى البحر المتوسط، بما فى ذلك المناطق الساحلية والمناطق البحرية المحمية، وتطوير الطرق السريعة البحرية والبرية، وشبكة متوسطية للحماية المدنية وللوقاية من المخاطر الطبيعية (الحرائق، الهزات الأرضية ، التسونامي)، والطاقات البديلة والعمل على إعداد خطة شمسية متوسطية، والتعيم العالى والبحث وإنشاء جامعة أورو- متوسطية (مقرها فى سلوفينيا)، تسهم فى الفهم المتبادل بين الشعوب، والمبادرة المتوسطية لتقديم الدعم للشركات الصغرى والصغيرة والمتوسطية. ويأتى تمويل هذه المشروعات الإقليمية، التى أقرتها قمة باريس الأخيرة بشكل أساسى من المصادر التالية : القطاع الخاص، مساهمات من موازنة الاتحاد الأوروبى ومن كل الشركاء ، مساهمات من مؤسسات مالية دولية ومن كيانات إقليمية ، آلية الاستثمار والشراكة المتوسطية ، ومخصصات أداة شراكة الجوار الأوروبية .

وفيما يتعلق بأعضاء التجمع الإقليمى الجديد، نجد أن 'الاتحاد من أجل المتوسط' يشمل جميع البلدان الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى (27 بلدا) والأعضاء والمراقبين فى مسار برشلونة الأورو- متوسطى الذى انطلق فى سنة 1995 وهم : تونس - الجزائر - المغرب - موريتانيا - ليبيا - مصر الأردن - السلطة الفلسطينية - إسرائيل - لبنان - سوريا - تركيا - ألبانيا . هذا بالاضافة الى بلدان أخرى مطلة على المتوسط هى : كرواتيا - البوسنة والهرسك - الجبل الأسود وإمارة موناكو .

ثالثا - آليات وأجهزة الاتحاد :

أقرت قمة باريس وضع آليات وهياكل مؤسسية جديدة تسهم بشكل جوهرى فى تعزيز تقاسم المسئوليات. وتتمثل هذه الآليات فيما يلى :

- رئاسة مشتركة دورية للاتحاد بين ممثل عن الاتحاد الأوروبى ونظيره من الدول المتوسطية غير الأوروبية . وسيطبق مبدأ الرئاسة المشتركة على القمم وعلى كل الاجتماعات الوزارية ولقاءات كبار الموظفين وفى الأمانة العامة واللجنة المشتركة الدائمة واجتماعات الخبراء . وقد تقرر أن تعقد قمة الاتحاد كل سنتين، على أن يحتضنها بالتناوب بلد من الاتحاد الأوروبى ودولة متوسطية من خارجه ، بينما سيكون اجتماع وزراء خارجية الاتحاد سنويا.

- أمانة أو سكرتارية مشتركة تتولى تحديد المشروعات ومتابعتها وتشجيعها وكذلك البحث عن شركاء . وتعمل الأمانة على تأمين التشاور الميدانى مع كل الهياكل، بما فى ذلك عبر إعداد وثائق العمل لهيئات صنع القرار . وتتمتع الأمانة بشخصية قانونية منفصلة وبوضع مستقل. وتكون المهمة الموكلة للأمانة ذات طابع تقنى، بينما يواصل وزراء الخارجية وكبار الموظفين تحمل المسئولية السياسية .

ہ وتتولى اللجنة المشتركة الدائمة - ومقرها بروكسل - الإعداد والتحضير لاجتماعات كبار الموظفين وتأمين المتابعة المناسبة لها ، كما يمكن أن تمثل آلية رد فعل سريع إذا طرأت أية ظروف استثنائية تستدعى تشاور الشركاء الأورو - متوسطيين .

- ويواصل كبار الموظفين اجتماعاتهم الدورية لتحضير الاجتماعات الوزارية، بما فى ذلك المشروعات التى تحتاج للموافقة ورصد وتقييم التقدم المنجز فى جميع الجوانب الخاصة بعملية برشلونة.. اتحاد من أجل المتوسط، وعرض برنامج العمل السنوى على وزراء الخارجية.

رابعا - الاتحاد من أجل المتوسط ومستقبل الشراكة الأورو - متوسطية :

لا شك فى أن تأسيس مشروع عملاق على هذا النهج لا يمكن توافر عناصر النجاح له إلا فى ظل مناخ من الأمن والاستقرار فى منطقة المتوسط، يصاحبه شفافية ونوايا صادقة من الجانب الأوروبى للتعاون مع دول جنوب وشرق المتوسط، وفقا لمبدأ المساواة فى تبادل المنافع والمصالح. وعليه، فمن المرجح أن يواجه هذا الاتحاد الجديد العديد من التحديات، نتيجة لاعتبارات إقليمية ودولية واعتبارات أخرى مرتبطة بطبيعة تأسيس هذا التجمع الإقليمى الجديد ونوعية المشروعات التى سيتم التركيز عليها. وتتمثل تلك الاعتبارات الإقليمية والدولية فى الفوارق العظيمة بين أعضاء الاتحاد الأوروبى ودول جنوب المتوسط وشرقه، الأمر الذى دفع الكثيرين إلى القول إن الاتحاد الجديد سيكون مختل التوازن لصالح أوروبا، وإن الجانب الأوروبى فى الغالب سيملى شروطه وسيكون ذلك على حساب مصالح دول جنوب المتوسط . هناك أيضا موقف دول شرق أوروبا - الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى - والتى قد تسعى بدورها الى عرقلة مسيرة الاتحاد الجديد، خشية أن يؤدى ذلك التجمع الإقليمى الجديد الى تحييد موارد الاتحاد الأوروبى المالية واهتماماته السياسية من منطقتهم الى حوض البحر المتوسط . أضف الى ذلك اعتبار استمرار النزاع العربى - الإسرائيلى، وهو ما يتعارض مع عملية تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية، فضلا عن استمرار الاحتلال العسكرى الاسرائيلى، وتصاعد معدلات العنف.. كل هذه الأمور ستؤثر بشكل مباشر على أمن واستقرار منطقة المتوسط، ومن ثم ستنعكس سلبا على عمليات التعاون ومشروعات التنمية المشتركة. ولا يمكن بأى حال من الأحوال إنكار الدور الأمريكى فى هذ الشأن، حيث إن واشنطن ستسعى بدورها الى وضع العراقيل أمام نجاح تجمع 'الاتحاد من أجل المتوسط'، على اعتبار أنه يتعارض مع مصالحها فى المنطقة، وينافس مشروعها العملاق الخاص بـ 'الشرق الأوسط الكبير' .

وبالإضافة الى هذه الاعتبارات الإقليمية الدولية، فهناك اعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة هذا التجمع الجديد وتوجهاته وأهدافه الجوهرية، حيث نجد أن تركيز الاتحاد انصب على المشاريع الاقتصادية بشكل أساسى وتجاهل قضايا الإصلاحات السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، الأمر الذى يؤدى الى التركيز على الجانب الاقتصادى من مسار برشلونة، بينما سيكون الجانب السياسى مركزا على القضايا الأمنية التى تهم الجانب الأوروبى فقط، مثل قضايا الارهاب والهجرة غير الشرعية، ومن ثم لا وجود لمشروعات تتعلق بالمجتمع المدنى أو حقوق الانسان . ويؤدى ذلك فى مجمله إلى الشك أيضا فى صدق النوايا فى أبعاد المشاريع المطروحة للتعاون والشروط التى قد تحمل فى طياتها نسبا متفاوتة من التدخل فى الشئون الداخلية لدول جنوب المتوسط.

هناك أيضا العديد من الشكوك تحيط بمستقبل الاتحاد الجديد، خاصة ما يتعلق بدور إسرائيل ، إذ يرى البعض أن عضوية إسرائيل فى هذا الكيان الجديد ستتيح لها بشكل تلقائى علاقات اقتصادية وتجارية مع باقى دول الاتحاد، الأمر الذى سيوفر على الدولة العبرية جهودها الدبلوماسية المبذولة للحصول على اعتراف عربى بها، حيث سيكون هذا التعاون الاقتصادى معها بمثابة اعتراف عملى وواقعى من قبل الدول العربية باسرائيل . وعليه، فإن هذا الاتحاد الجديد سيوفر على هذا النحو تطبيعا عربيا مع إسرائيل دون مقابل سياسى على مستوى التسوية الشاملة لقضية الصراع العربى - الاسرائيلى، وهو الأمر الذى ترفضه الدول العربية، حكومات وشعوبا، وتصر على التمسك بمبادرة السلام العربية. ومما لاشك فيه أن هذه الاعتبارات المرتبطة بالدور الاسرائيلى فى الاتحاد سوف تنعكس سلبا على مسيرته وعلى مستقبل المشروعات الإقليمية المرتبطة به .

وبالإضافة الى ما سبق، فقد طرح بعض المحللين السياسيين تساؤلات حول مستقبل الاتحاد المغاربى وجامعة الدول العربية والاتحاد الافريقى وغيرها من التجمعات الإقليمية الأخرى فى ظل تأسيس 'الاتحاد من أجل المتوسط' الذى يضم مختلف الدول المغاربية والعربية والإفريقية المطلة على المتوسط. وزيادة على ذلك، فقد ارتأى هؤلاء المحللون أن هذا الكيان الجديد يعيد إلى الأذهان مسألة انتشار دول الشمال وهيمنتها على دول الجنوب من جديد، الأمر الذى يعوق تحقيق تنمية عادلة فى ظل علاقات غير متكافئة، ومن ثم يثير المخاوف من أن يلقى الكيان الجديد المصير نفسه الذى آلت إليه عملية برشلونة.

ويبقى فى النهاية أن نجاح 'الاتحاد من أجل المتوسط' - كمنظمة إقليمية قادرة على تحقيق السلام والاستقرار والازدهار والتنمية بمنطقة المتوسط - يتوقف بالأساس على الإرادة السياسية للدول الأعضاء، مع توافر صدق النوايا وحسن التنسيق بين جميع الأطراف .

-------------------------------------
* دبلوماسية بجامعة الدول العربية