المقدمة :

إن النظام الاقتصادي الموجه الذي يتميز بتخطيط و مراقبة وتنظيم الاستثمار والاستهلاك , ومتحكمة فيه إدارة مركزية قوية عن طريق قطاع عام يين جليا ضعف الاقتصاد الوطني وتبعياته للخارج بصفة مذهلة فالمؤسسات الوطنية التي كانت من بين الأهداف التي أنشأت من أجلها توفير السلع والخدمات , لم تكن قادرة على تحقيق ذالك , وبالتالي أصبحت تشكل عبآ ثقيلا على الدولة التي كانت تحول العجز المتراكم لهذه المؤسسات الناتج أساسا عن كونها وجدت لا لتحقيق النتائج الاقتصادية , بل لأجل القيام بدور اجتماعي حتى ولو كان ذلك على حساب النجاعة الاقتصادية ,مما جعلها تكون دائما عجزة على الوفاء بالتزاماتها المالية اتجاه البنوك والمؤسسات المالية الأخرى نتيجة لكل هذه الظروف والصعوبات , فقد فكرت الدولة في إيجاد بعض من الإصلاحات الضرورية التي من شأنها إخراج البلاد من أزمتها الخانقة والنهوض باقتصادها .
لقد تمثلت هذه الإصلاحات في مرحلتها الأولى في التفكير في إعادة الهيكلة العضوية والمالية لمختلف المؤسسات العمومية ثم تلتها إجراءات أخرى اتخذتها الدولة للخروج من هذا المأزق لكن بدون جدوى ,لأن كل الإصلاحات باءت بالفشل ولم تتمكن من مواجهة كل الصعوبات المالية والاقتصادية التي تعاني منها المؤسسات العمومية بل بالعكس فقد تأزمت الوضعية أكثر من السابق بفعل تدهور قيمة الدينار وقلة الصادرات و زيادة الواردات ,وبالتالي ازدادت و تراكمت مديونية المؤسسات العمومية التي أثرت سلبا على حيويتها و نشاطها الاقتصادي .
ونظرا لعدم نجاح هذه السلسلة من الإصلاحات الاقتصادية فقد فكرت الدولة في إنتاج سياسة اقتصادية جديدة , تهدف إلى إخراج البلاد من هذا الوضع المتأزم في إطار إجراءات جديدة بأكثر صرامة , والمتمثلة في التطهير المالي و الاستثماري اللذان يمهدان للدخول في اقتصاد السوق



إن التطهير المالي يعتبر كضرورة حتمية من أجل إعادة التوازن المالي و الهيكلي لمختلف المؤسسات العمومية و هذا لكي يتسنى لها تغطية كل التكاليف والأعباء الخاصة بها.
وقبل التطرق إلى دراسة هذا الموضوع , لابد من طرح مجموعة من الأسئلة و التي سنحاول الإجابة عنها من خلال دراستنا :
ما هو التطهير المالي ؟ و ما هي أهميتها ؟
هل التطهير مرحب به من المؤسسات مهما كان نوعها ؟ وهل المؤسسات مهيأة لرفع هذا التحدي ؟
ما هي الإجراءات التي تم تطبيقها من أجل الوصول إلى التطهير ؟
ما هي العمليات المستقبلية في مجال التطهير ؟
هل التطهير الحالي هو العلاج الشافي لداء العجز المالي التي تعاني منه الكثير من المؤسسات العمومية ؟
هل يمكن اعتباره منشط حيوي تتلقاه المؤسسات العمومية حتى تستطيع الاستمرارية ؟
هل يستطيع التطهير المالي إنقاذ المؤسسات العمومية من الإفلاس ؟
هل هناك تناقضات في المصالح عند تطبيقه ؟
من سيدفع الفاتورة ؟ ثم كيف ومتى ؟ ومن سيقوده ؟
و سنحاول من خلال البحث الإجابة عن هذه الأسئلة الرئيسية التي تحتويها إشكاليتنا من خلال المنهجية التالية :
قد تناول تقييم البحث جزء نظري و جزء تطبيقي وسنعالج في النظري فصلين أساسيين :



الفصل الأول : عرض لطبيعة الاقتصاد الجزائري بحيث يتم التركيز على أهم المراحل التي مرت بها المؤسسات العمومية الاقتصادية الجزائرية منذ الاستقلال لإلى غاية يومنا هذا ,وقد قسم هذا الفصل إلى ثلاث مباحث :
المبحث الأول : هو التوجيهات الاقتصادية للجزائر خلال الفترة ما قبل سياسة الإصلاحات الهيكلية أما المبحث الثاني : يتطرق إلى مجموعة الإصلاحات الهيكلية التي قامت بها الدولة الجزائرية , أما الثالث يتطرق إلى أسباب فشل المؤسسات العمومية في تحقيق أهدافها , و ما كان يجب أن تقوم به في هذا الإطار ثم إلى خلاصة الفصل .
الفصل الثاني : تطرقنا فيه إلى جوهر الموضوع و أساسه , ومن أجل هذا فهو يناقش ثلاث مباحث ترتبط جميعها بمفهوم التطهير المالي و إجراءاته .
المبحث الأول : يتمثل في تعريف التطهير المالي و أهدافه و عناصره , أما المبحث الثاني فيتطرق إلى العمليات المسبقة للتطهير المالي ثم الإجراءات المحاسبية القانونية والمالية ,ثم العمليات التقنية لهذه الإجراءات على مستوى مختلف المؤسسات العمومية في المبحث الثالث يتطرق إلى دور مختلف العملاء بسير عمليات التطهير المالي ,حيث ركزنا على أهم الموارد التي تعتمد عليها الدولة في سياسة التطهير المالي , ثم تحديد المسؤوليات على جميع المستويات بغية التطبيق الفعلي لإجراءاته ,ثم نتعرض إلى التناقضات المطروحة في تطبيق هذه السياسة .












تمهيد :
لقد خاض الشعب الجزائري حربا شرسة من اجل الحصول على حريته وسيادته على ثرواته ,وعند الاستقلال وجدت الجزائر نفسها في وضعية مزرية وصعبة ومعقدة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ,فلقد ورثت الجزائر بعد حرب التحرير هياكل اقتصادية مفككة بعد إن كانت في فترة الاحتلال مستغلة من طرف المعمرين .
إن هذه التركة ألزمت على الدولة الجزائرية تجنيد واستثمار كل طاقاتها المتوفرة في البلاد,للقضاء على ظواهر التخلف التي كان يعاني منها الجزائريون وجعل الجهاز الاقتصادي يشتغل لتلبية حاجات المواطنين .
ونظرا لحالة الانهيار التي كان عليها الاقتصاد الوطني آنذاك ,استلزم على الدولة إنشاء قطاع عام بامكانه تعويض الدور الذي كانت تقوم به الشركات الفرنسية ,وكذلك نظرا للتوجهات السياسية وتبنى الاشتراكية كنموذج تنمية تخضع ملكيته لها على خلاف اغلب الدول المستقلة حديثا , والتي تبنت نظاما تلعب فيه الدولة دورا رياديا ,تعتمد في تسييره على خطط التنموية تهدف إلى تطوير القطاعات الاقتصادية ( زراعة ,صناعة ,خدمات...) تأخذ في الحسبان قبل كل شيء تحقيق الأهداف الاجتماعية ,وتم العمل بذلك في بداية الثمانينات , ثم مع الأزمات المتعاقبة بدا التفكير تدريجيا في الدخول إلى اقتصاد السوق ,وعليه سيتم دراسة الفترة التي سبقت عملية الدخول إلى اقتصاد السوق في المباحث التالية
المبحث الأول : ماهية القطاع العام ( لمحة عن القطاع العام )
المطلب الأول :
تعريف القطاع العام : يقصد بالقطاع العام وحدات قطاع الأعمال التي تدار من قبل الحكومة ,والتي يمكن تدار من قبل القطاع الخاص ,وتقوم المؤسسات العامة بإنتاج السلع والخدمات وتقديمها إلى الجمهور بالأسعار الإدارية .


ويؤدي هذا النشاط الحكومي لإدارة هذه المشروعات أو المؤسسات إلى تعطيل آليات السوق وتشويه المنظومة السعرية , وعادة ما يرتبط القطاع العام بالتخطيط المركزي للاقتصاد , ولكنه غير ضروري لوجوده .
ويدخل العامل السياسي بقوة عندما تتدخل الدولة عن طريق التعليل المباشر للمشاريع الإنتاجية .
ويستهدف وجود القطاع العام تغيير الهيكل الاقتصادي وتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية عند محاولة تخليصه من اية شوائب محلية أو أجنبية تقف في طريق استقلاله الاقتصادي والسياسي.
المطلب الثاني :
القطاع العام ومفهوم تدخل الدولة في الاقتصاد الوطني : تدخل الدولة يعني وجود الدولة بأجهزتها القانونية والسياسية والأمنية , فالدولة أو الحكومة هي قطاع الإدارة العامة وهي تؤثر في الأداء الاقتصادي للوحدات الإنتاجية بصرف النظر عن شكلها القانوني , فللدولة دور هام في الاقتصاد تنظيمي ورقابي وتوجيهي وتصحيحي , ويتمثل تدخل الدولة على صعيد السياسات الاقتصادية العامة من خلال توجيه الأنشطة الاقتصادية والتأثير فيها , وذلك في ما ترسمه من أهداف اقتصادية واجتماعية واضحة ,وتقترن السياسات الاقتصادية بسياسات نقدية ومالية وسياسية التوظيف والأجور.
إن مجرد تدخل الدولة في الاقتصاد قد يكون لمصلحة القطاع الخاص, وتعديل مسار الاقتصاد نتيجة سلوكيات القطاع الخاص نفسه , وهو أمر لا علاقة له بالقطاع العام .
ولابد من التفرقة بين دور الدولة في الحياة الاقتصادية وتوسع القطاع العام , فتعظيم دور الدولة في الحياة الاقتصادية لا يتأتى بالضرورة من خلال وجود قطاع عام قوي أو من خلال تخطيط مركزي فحسب , فوجود قطاع خاص لا يتنافى مع وجود تخطيط تأشيري فاعل في تخصيص الموارد إذا ما اقترن ذلك بسياسات نقدية ومالية جدية , ومع

وجود دولة قوية تمارس سيادتها وسلطتها الرقابية في التحقيق من تنفيذ هذه السياسات وليس أدل على ذلك من إن التخطيط التاشيري في دولة مثل فرنسا ليس له الدور نفسه في ظل حكومة الحزب الاشتراكي الذي كان له من قبل .
المطلب الثالث :
الأسس العقائدية الإيديولوجية للقطاع العام : لابد لنا في البداية من ملاحظة إن المجالات المحددة لكل من القطاع الخاص والقطاع العام , لابد من إن يعكس إما صراحة أو ضمنا , الفلسفة التي تنتهجها الدولة والمجتمع حول كل من دور الدولة في الحياة المجتمعية والتنظيم المجتمعي المستهدف , ولنتذكر إن دور الدولة كان يعتبر في البداية مقتصرا على واجبات الأمن والدفاع والعدالة , ولكن بالتدرج ظهر أن هناك مجالات لا يريد المجتمع إبقاءها في إطار النظام السعري , وهي مجالات الرفاه الاجتماعي ,وفي مقدمتها التعليم والصحة والضمان الاجتماعي و بعض الخدمات الضرورية مثل خدمات المرافق العامة من موانئ وطرق و ربما أيضا ماء و كهرباء ,وقد زاد بالتدرج دور الدولة في تلبية هذه الحاجات الاجتماعية .
فقد تعرضت الأسس العقائدية الإيديولوجية التي كانت قد شكلت السياسة الاقتصادية و تطبيقاتها قبل الحرب العالمية الثانية , تعرضت كلها إلى الزوال بفعل ما جاءت به الحركات القومية من تغييرات هيكلية جذرية استهدفت توسيع القطاع العام , وصارت الدولة تؤدي دورا مسيطرا كما أدت إلى نمط مختلف لتوزيع الدخل الأمر الذي دفع بطبقات واسعة من الفقراء المعدمين إلى المجرى الرئيسي للاقتصاد الوطني ,ولم يعد تقرير توزيع الناتج القومي بواسطة القوى العمياء لآلية السوق وحدها فأصبح ينظر إلى تلبية الحاجيات الأساسية في السياق الحالي كمقوم إنمائي.
لأنها تشكل دافعا ومولدا لنشاط العمل , كما أن القطاع الحكومي والعام يوفر فرص عمل كثيرة , غير أن القطاع العام بموجب تحديد الصارم له إذا عنينا بالقطاع العام القطاع الإنتاجي بذاته وخارج الأنشطة الوزارية التقليدية لا يوفر إلا جزءا محدودا من

التقديمات التي توفرها الوزارات المختصة أخذ القطاع العام يتوسع على نحو مهول في الأقطار النفطية , بغض النظر عن توجهاتها الإيديولوجية , فقد صارت تمتلك الشطر الأعظم من مجموع الناتج القومي الإجمالي العربي , وتبع ذلك زيادة كبرى في الخدمات الاجتماعية وفي المهمات الترفيهية التي تتولاها الدولة في هذه الأقطار .
والسؤال هل كان من الضروري قيام قطاع عام ولا مفر من ذلك؟ أدت الصدفة التاريخية والمرتكزات الثقافية في البلدان العربية دورا مهما في ظهور المشروع الحكومي وزيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي .
1. ف " تعريب الإدارة " الأجنبية بعد الاستقلال أورثت البلدان العربية المستقلة حديثا وضعا راهنا , فإلى جانب الجهاز الإداري هناك مشروعات عامة كبيرة , تحت إشراف الإدارات الإستعمارية لأسباب سياسية و اقتصادية , فكان على الدولة الجديدة أن تستمر في إدارة هذه المشروعات و المؤسسات .
2. ورثت كل البلدان العربية في الوقت نفسه علاقات خارجية مكيفة ومرتبطة بالمراكز الغربية , وكانت تجارتها في حالة عجز مستمر ,الأمر الذي اضطر حكومات هذه البلدان إلى التدخل في ميدان التجارة الخارجية .
3. ما كان معروفا من مدركات وموارد طبيعية أو تم إكتشافه فيما بعد آل إلى الدولة إدارة و ملكية ,و لما كانت الموارد الطبيعية هي المصدر الرئيسي للعملات الخارجية , وتساهم في نصيب كبير في الدخل القومي ,فقد تحولت ميزانية الدولة إلى مركز حساس للنصيب الاقتصادي .
4. في مراحل لاحقة تم " تقريب " النشاط الإقتصادي الحكومي والفردي المملوك للأجانب في ظل الإدارة الإستعمارية ,الأمر الذي أملته ظروف خاصة في كل بلد , وأمتد النشاط الإقتصادي للدولة ليشمل المشروعات الفردية والحكومية " المعربة " أو المجوهرة في بعض البلدان كما حدث للجزائر.


5. إلحاح التنمية الاقتصادية وضرورة تحقيق معدلات نمو عالية و التوجه العام نحو التخطيط الاقتصادي ,دعا إلى مزيد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لتأمين تنفيذ الخطط الاقتصادية ,كما طرح شعار الاشتراكية سياسيا واقتصاديا لتبرير تأميم القطاع الخاص و إحكام القبضة على الاقتصاد القومي .
المطلب الرابع :
القطاع العام والضرورة التنموية : إن وجود قطاع عام كبير و مؤثر أمر ضروري للسيطرة على الموارد الاقتصادية الوطنية ,و امتلاك هذه السيطرة مطلب أساسي و ضرورة موضوعية في أية دولة سعى إلى القضاء على الروابط التبعية و إرساء قواعد الاستغلال الإقتصادي .
إن قيام قطاع عام يعتبر شرطا لضمان درجة معقولة من السيطرة على توجيهات التنمية و ذالك في ظل ندرة الوسائل البديلة للتأثير الفعال في مجريات الأمور الاقتصادية وضعف تأثير السياسات النقدية والمالية في بلدان العالم الثالث بوجه خاص ,و لكن الاستقلال الإقتصادي لن يتحقق بمجرد قيام القطاع العام ,ويبقى الأمر معلقا على نوعية السياسات العامة التي تحكم هذا القطاع و هذا الأمر يتوقف على طبيعة السلطة السياسية أي على ,من يحكم من ؟ ولمصلحة من؟ فقد يستخدم القطاع العام كأداة لتكريس التبعية إذا كانت السلطة السياسية بيد فئة قليلة ترى مصلحتها في الارتباط بالدول الرأسمالية الكبرى و السوق المالية العالمية وقد يستخدم القطاع العام كأداة للتحرر من التبعية إذا كانت السلطة السياسية تمثل تمثيلا صادقا ,الأغلبية الفقيرة و التي لا مصلحة لها في استمرار روابط التبعية ومن المرجح أنه في ظل غياب عام قوي و مؤثر ,و ترك الأمور للمبادرة الخاصة و القطاع الخاص تتجه التنمية للاعتماد على الخارج و تنمية الاقتصاد نحو الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية ,الأمور التي تكرس علاقات التنمية بينما تقتضي مبادئ التنمية السليمة اقتلاعها من جذورها.


و السؤال هل كان القطاع العام خيارا ؟ نعم إن القطاع العام كان خيار تنموي تمت تحت إنجازات هامة لم تكن لتتحقق من دونه ,وفي مجتمعات مختلفة كمجتمعاتنا ليس هناك خيار إلى أن تقوم الدولة بدورها ,إذ لم يكن لدى الكثير من الدول النامية ففي ذالك الوقت بديل عن الاعتماد على المؤسسات العامة إذ لم يكن القطاع الخاص مقبولا سياسيا و إن رأس المال تميل بوجه عام إلى الانغماس في الاقتصاد (الهش) أي الساعي إلى الربح السريع أيا كان مصدره ذلك إن لم ينغمس في الاقتصاد الأسود .
إن الحاجة إلى قطاع عام في اقتصاد متخلف هو أمر بديهي ,فلا يمكن تحقيق أهداف مثل : النمو الاقتصادي ,تحريك المدخرات الوطنية ,توزيع الاستثمارات القطاعية ,خلق فرص عمل لتوظيف القوى العاملة المتنامية ,و التخطيط لاستعمالها , التوزيع الاقتصادي الدولي , كل هذا لا يمكن تحقيقه من دون أن تلعب الدولة دورا كبيرا في الاقتصاد عبر القطاع العام ,و كما نعرف فإن مالك هذه المدخرات يفضلون استثمارها في الأراضي و مدخرات المضاربة ,و العقارات السكنية ,و تجارة السلع سريعة الدوران ,إن التناقضات واضحة بين الحاجة الملحة إلى تكوين رأس المال و بين الخيارات الفردية ,و بمقدور سلطة الدولة وحدها تغيير وجهة استثمار المدخرات الوطنية .
























المبحث الثاني : التوجهات الاقتصادية
المطلب الأول :
مرحلة التسيير الذاتي (1962-1965) : يشكل التسيير الذاتي الصناعي و الفلاحي تجربة مفروضة من الواقع و الظروف السائدة بعد الاستقلال مباشرة ,حيث قام المعمرون الأوروبيون بمغادرة التراب الوطني و تركوا وراءهم المزارع و المؤسسات التي كانوا يديرونها ,وذالك بعد تخريبها وتعطيل الآلات وحرق الوثائق و المستندات و مما أدى إلى وضع غير منتظر ,و أدى إلى تعطل دورة الإنتاج و أمام هذا الوضع لم يبقى العمال و الفلاحون الجزائريون مكتوفي الأيادي ,فقد تحركوا بصورة عفوية و تلقائية و واصلوا عملية الإنتاج و التسيير المؤسسات والمزارع رغم كل الصعوبات . وقد أدى هذا المسعى إلى تجسيد نمط جديد للإدارة يسمى " التسيير الذاتي " والذي تمت تزكيته من طرف السلطة السياسية آنذاك ,حيث أصدرت عدت قرارات تحدد الصيغة التنظيمية للمزارع و المؤسسات المسيرة ذاتيا و التي تتمثل في :
قرار 23 نوفمبر 1962 المتعلق بتشكيل لجان التسيير الذاتي داخل المؤسسات الصناعية و المنجمية و الحرفية
قرار 18 مارس 1963 الذي ينص على تأسيس الهيئات التالية: مجلس العمال ,المجلس العام العمالي ,لجنة التسيير ,المدير
إن ولادة هذا النمط من التسيير جاء بفعل عدة أسباب منها الذهاب الجماعي و المكثف لأرباب المزارع و المؤسسات الإنتاجية الأوروبيين .وكذلك للوقوف في وجه أطماع البرجوازية الجزائرية التي نمت أثناء الثورة و كانت تتطلع إلى الإستلاء على الممتلكات بعد خروج المعمرين لتحل مكانهم ,غير أن يقضة العمال و الخلافات التي سادت داخل الحركة الوطنية حالت دون ذلك ,الأمر الذي دفع بالسلطة آنذاك إلي تقنين


التسيير الذاتي تحت ضغط المعارضة من جهة , ولكسب ثقة الشعب من جهة أخرى . وبهذا فإن ظهور التسيير الذاتي كان نتيجة منطقية للظروف الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال .
أما عن تسيير المؤسسات في إطار نظام التسيير الذاتي فقد كان يتم بواسطة لجنة التسيير الذاتي التي يقوم العمال بانتخابها , ثم يقوم أعضاء هذه اللجنة باختيار رئيس لها من بينهم بطريقة ديمقراطية ,و إلى جانب الرئيس يوجد مدير يعين من طرف الوزارة الوصية و هذا ما يشكل تناقض جوهري في مضمون التسيير الذاتي " مما يدل على تردد في تطبيق المركزية و اللامركزية في عملية تسيير المؤسسات الاقتصادية وذلك لوجود حالة من الازدواجية مكونة من مدير معين و هيئة منتخبة ,و كون المدير هو أقوى من الهيئة المنتخبة الأمر الذي يدل على تكريس المركزية و التعقيدات البيروقراطية وعدم تجسيد المشاركة الفعلية للعمال في التسيير و اتخاذ القرارات .
ولقد استغل المديرون الأمية المنتشرة في أوساط العمال لبسط نفوذهم ," وممارسة مركزية اتخاذ القرارات و عرقلة نشاط العمال بل و تأخير حتى رواتبهم الشهرية مما أدى إلى سوء الاتصال التنظيمي بين العمال و الإدارة وترتب عنه شل نشاط مجالس العمال وقد أدت هذه الإجراءات إلى إثارة العديد من الصراعات داخل المؤسسة المسيرة ذاتيا .ويمكن عرض أسباب ذلك فيما يلي :
شعور العمال بالغبن نتيجة عدم تحسن أوضاعهم كما كانوا يتوقعون و يرجون منذ أمد بعيد
سوء الاتصال التنظيمي بين العمال والإداريين نتيجة تكوين حواجز نفسية (اتجاهات سلبية ) واحتكار السلطة والمعلومات من طرف الإداريين
بيروقراطية الهيئات الوصية وبطئ الإجراءات الإدارية و اتخاذ القرارات

إقصاء العمال من المشاركة في صنع القرارات والتسيير
فقدان الثقة في مبادئ التسيير الذاتي
انخفاض الروح المعنوية وضعف الأداء
عدم كفاية الأجور و ضعف القدرة الشرائية للعمال ,وسوء العلاقة بين العمال و المسييرين
إن أسباب الصراعات العمالية في هذه المرحلة تتعلق بطريقة التسيير وتنظيم المؤسسة ,ونقصد بذلك بروز فئة من المسيرين و ذوي التخصصات استأثرت ببعض المزايا المادية و الإدارية و تحولها إلى فئة بيروقراطية تحتكر السلطات و اتخاذ القرارات , وذلك ما يفسر استمرار الصراع في إطار هذا النظام (التسيير الذاتي ),ولا يمكن أن نتوقف في بحث أسباب الصراع في إطار المؤسسة المسيرة ذاتيا , بل يجب أن نحلل المحيط الإقتصادي و الاجتماعي الذي يحيط بها و يؤثر على تشكيل مواقف العمال بداخلها , فقد أصيب الاقتصاد الوطني بالركود و الجمود ,"حيث انخفض الإنتاج بالقيمة الحقيقية بحوالي 35% كما انخفض معدل الواردات لمعدل 40% بالأسعار الجارية , بالإضافة إلى احتكار الشركات الأجنبية للاستثمار في القطاعات الحساسة و الهامة , وعلى رأسها قطاع المحروقات ( وذلك بموجب اتفاقية أيفيان ) ,وضعف القطاع المسير ذاتيا بسبب منافسة رأس المال الأجنبي له ,و احتوائه على مؤسسات ذات نشاطات هامشية ,مما جعله لا يشارك بصفة فعالة في تنمية الاقتصاد الوطني ,هذا بالإضافة إلى الصعوبات التي كانت تواجهه من حيث التموين و التسويق وقلة رؤوس الأموال .
إن هذه الوضعية المتدهورة التي عاشها الاقتصاد الوطني أثرت على الوضع الاجتماعي للبلاد ,حيث ارتفعت نسبة البطالة نتيجة غياب الاستثمارات ,وتدهور المستوى المعيشي للسكان نتيجة قلة دخوله ,ففي جانفي 1966 صدرت وثيقة تقييم

الدخول جاء فيها أنه " إذا قمنا بفحص الوضع الاجتماعي من زاوية توزيع الدخول و مصادرها ليتبين لنا ضعف نسبة الدخول الموزعة من قبل مؤسسات القطاع المنتج ,؟هذا رغم التضخم المصطنع في مراكز العمل بالنسبة لجميع القطاعات " مما يدل على أن مدا خيل العمال كانت ضعيفة ,الأمر الذي دفعهم إلى خوض إضرابات في سبيل زيادتها .
إذا في هذه المرحلة عرفت المؤسسة العامة الجزائرية أسلوبا من التنظيم و الإدارة يسمى التسيير الذاتي ,وقد أدى هذا الأسلوب إلى بروز العديد من الصراعات بين العمال و الإدارة .
المطلب الثاني :
الشركة الوطنية (1965-1971) : إن المساعي الرامية إلى بناء الاشتراكية في الجزائر قد توقفت بعد الاستقلال بسبب نوع السلطة التي تأسست آن ذاك هذه السلطة التي كانت تسعى للحصول على قاعدة شعبية ,و اعتمادها على ديماغوجية محضة عن طريق الخطابات الشعبية ( خطابات و شعارات دون أعمال ونتائج ).
مما أثر سلبا على تطور البلاد وعلى تحقيق التنمية الوطنية ،لقد تركت هذه السلطة القطاعات الحيوية والهامة التي يتوقف عليها بناء اقتصاد وطني حقيقي ،والتي لا يمكن المضي في طريق التنمية بدونها لرأس المال الأجنبي ،و احتفظت بقطاعات هامشية لا تأثير لها في بناء الاقتصاد الوطني ،هذا بالإضافة إلى عدم اهتمامها بالطبقة العاملة وََظروفها المتدهورة من جراء الاستعمار و الاستغلال الأجنبي،و أستمر الوضع على هذا الحال إلى أن جاء التصحيح الثوري في 19جوان 1965 الذي يعد بمثابة نقطة انعطاف وتحول جذري في كيان المجتمع الجزائري من خلال الانطلاق في طريق التنمية وبناء الاشتراكية ،ذلك أن بناء الاشتراكية لا يتم بإمكانيات ضعيفة .كما لا يمكن أن يقوم به شخص واحد ،بل إن ذلك لا يتأتى الأمن خلال تجنيد الطاقات الحية في البلاد لا سيما العمال واستغلال جميع الثروات الوطنية بصورة عقلانية .

لقد كان التصحيح الثوري مضيئا في بدايته على الجانب السياسي،ثم أعقبه تصحيح اقتصادي واجتماعي بهدف تحقيق حاجات الشعب بمختلف فئاته ،وقد تميزت هذه المرحلة بصدور العديد من القوانين منها: الأمر رقم 66-183 المؤرخ في يونيو 1966 الخاص بتعويض إصابات العمل والأمراض المهنية ،وتلاه صدور نصوص تطبيقية في 27 ديسمبر 1966 ،وفي 19 مارس1966 وذلك ما يعبر عن السعي لإيجاد منظومة قانونية جزائرية تنظم مجال العمل وغيرها من المجالات الأخرى والحد من القوانين الفرنسية التي كانت سارية المفعول .
لقد كان الهدف في هذه المرحلة يتمثل في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والحد من نفوذ الرأسمال الأجنبي وبناء اقتصاد وطني قوي ,و لتحقيق ذلك شرعت السلطة انطلاقا من سنة 1966 في إجراء تأميمات سريعة ومكثفة للمناجم والبنوك والتامين والعديد من الصناعات الأخرى ,و لتسيير هذه الخيارات المؤممة عملت الدولة على إنشاء العديد من الشركات الوطنية فبرزت شركات متنوعة منها : الشركة الوطنية للمناجم " سونارام " سنة 1966 و " الشركة الوطنية لمواد البناء " سنة 1967 والشركة الوطنية للعربات سوناكوم 1967 و" الشركة الوطنية للمصبرات " سنة 1966وغيرها .
إن إنشاء الشركة الوطنية بات مؤكدا في ميثاق الجزائر الذي يعتبرها بمثابة" الأداة التي يمكن بواسطتها القيام بالنشاطات الاقتصادية الرئيسية إذا كانت السلطة تقوم " بالحد من مجالات التراكم بالنسبة للبرجوازية الخاصة من جهة ،وتضع تدريجيا القطاعات المسيرة ذاتيا تحت سيطرتها من جهة ثانية وهذا ما يدل على أن نظام التسيير الذاتي لا يزال قائما في هذه المرحلة ، غير أن الدولة وبعد الشروع في المخطط الثلاثي الأول (1967- 1969) عملت على وضع العديد من المؤسسات المسيرة ذاتيا كما هو موضح في الجدول التالي:

جدول رقم 1 تناقص عدد العمال في القطاع الصناعي المسير ذاتيا
السنة 1969 1970 1971 1972 1973
عدد العمال 18492 15927 12202 10763 9903
النسبة المئوية للاستخدام الصناعي 12.8 10.2 7.1 5.8 4.7

إن الإقبال الكبير على الشركة الوطنية يرجع إلى ارتفاع نسبة البطالة ,وإلى حجمها العملاق وقدرتها على استيعاب أعداد هائلة من العمال , ناهيك عن الحوافز المغرية والرواتب الشهرية المرتفعة التي تقدمها والتي تفوق الرواتب المقدمة في كل من قطاع الوظيف العمومي والقطاع الخاص والمسير ذاتيا , مما أدى إلى زيادة الإقبال عليها و انخفاض عدد العمال في القطاعات الأخرى لاسيما القطاع المسير ذاتيا , الأمر الذي يدل على بداية تراجع هذا القطاع لقد جاء إنشاء الشركة الوطنية لتحقيق العديد من الأهداف من بينها :
 تلبية حاجات الاستهلاك الوطني .
 إيجاد سوق واسعة لتصريف منتجات الصناعة .
 إيجاد أقصى ما يمكن من الوظائف لامتصاص البطالة .
ونشير هنا إلى أن الشركة الوطنية تتكون من عدة وحدات مترامية عبر التراب الوطني أي أنها نشأت بفعل تجميع هذه الوحدات , والتي تختلف من حيث مستوياتها التكنولوجية بالإضافة إلى تنوع وضعيتها التجارية مما أدى إلى صعوبة إقامة هياكل تنظيمية على مستوى كل الشركات وذلك ما جعل تسير هذه الوحدات من ابرز مهام

الشركات الوطنية التي أصبحت مسئولة عن تسييرها وتحقيق أهدافها بالتماشي مع أهداف التنمية الوطنية .
أما بخصوص تسير هذه الشركات فإن الأمر يتمثل في وجود مدير عام يتم تعيينه بموجب قرار وزاري , يتولى تسيير الشركة تحت سلطة الوزارة الوصية ويتمتع بسلطات واسعة ,وإلى جانبه توجد هيئة استشارية تساعده في تسيير شؤون الشركة تتألف من ممثلين عن بعض الوزارات والحزب .
وبذلك فإن الدولة هي الممثلة وحدها في هذه الهيئة التي ينحصر دورها في ممارسة اختصاصات استشارية محضة, و بذلك ما يقوي من سلطة المدير وسيطرته على التسيير واتخاذ القرارات ويجعله الفرد الذي يضع سياسة المؤسسة وحده باعتباره الرجل الوحيد المسير للمؤسسة في هذه المرحلة , غير أن النقطة الهامة التي يمكن ملاحظتها هنا هي عدم إقامة أي تنظيم لمشاركة العمال في عملية اتخاذ القرارات بهذه المؤسسات في هذه المرحلة , مما قد يؤدي إلى فتح المجال للصراعات والمشاكل حول هذه القضية أي مشاركة العمال في التسيير .
بالإضافة إلى ما سبق فان أهداف ووظائف الشركات الوطنية كانت تحدد من طرف الجهاز المركزي والسلطة الوصية , وذلك في إطار الاستراتيجية الوطنية العامة التي تتمثل في تلبية مطالب العمال الاجتماعية وتحقيق الاستقرار السياسي للبلاد, وذلك ما جعل القرارات تتخذ من خارج هذه الشركات أي من طرف الإدارات المركزية , وفي ذلك تكريس للمركزية, وما يرتبط بها من تعقيبات بيروقراطية وجمود أو بطء في اتخاذ القرارات .
إن الحجم العملاق للشركات الوطنية والسلطات المطلقة التي منحت للمسيرين بها أدى إلى بروز المشاكل البيروقراطية المرتبطة بسوء الاتصال العمودي , وبحجم السلطة التي أكسبتها بعض المسيرين الإداريين ,وذلك ما أدى إلى إثارة العديد من

الصراعات بداخلها بسبب سوء المعاملة بين الإدارة والعمال والمشرفين , وبسبب تدهور ظروف العمل والمطالبة برفع الأجور وتحسين الخدمات وغيرها ,خاصة بعد غياب المشاركة العمالية وإلحاق النقابة بالحزب خلال المؤتمر الثالث للحزب (حزب جبهة التحرير الوطني ) , الأمر الذي جعلها تقوم بتعبئة العمال لخدمة مشاريع الدولة أكثر من قيامها بالاحتجاج والمطالبة والدفاع عن مصالحهم ,أي أنها تحولت إلى وسيلة لتدعيم سياسة الدولة ولتحقيق مشاريعها , وقد شهدت هذه المرحلة عدة اضطرا بات , إذ جاء في التقرير المقدم لمؤتمر الاتحاد النقابي المحلي لمنطقة الجزائر الوسطى في جوان 1966 إن هناك 3377 عامل في حالة اضطراب و 10428 ساعة عمل ضائعة من جراء الأضرار خلال الثلاثي الأول من سنة 1966 .
ويهدف التقليل من الاضطرابات والقضاء عليها فقد عملت السلطة على فرض " حصار إعلامي على كل المعلومات الواردة بشأنها " وبعد ذلك جاءت المادة (171) من قانون العقوبات تمنع اللجوء إلى الإضراب ,والتي تضمنت العقوبات الواردة بشان المخالفين لذلك ولكل من يحاول وسائل للضغط لتحقيق مطالبه أو المساس بحرية العمال غير أن ذلك لم يمنع من ظهور هذه الممارسات بسبب ما سبق ذكره من أسباب .
وهكذا نلاحظ عدم الاعتراف بحق الإضراب في هذه المرحلة ويعود إلى كون هذه المرحلة تشكل عقبة التحول نحو الاشتراكية ومشاركة العمال , وبالتالي البحث عن إزالة التنافس بين مصالح الدولة ومصالح العمال وإزالة التناقضات الموجودة في علاقات العمل ولتحقيق ذلك أصدرت السلطة ميثاق التسيير الاشتراكي للمؤسسات .
إذن تميزت هذه المرحلة بإنشاء الشركة الوطنية وهو أسلوب جديد لتنظيم وإدارة المؤسسات العامة بالجزائر , غير أن هذا الأسلوب من التنظيم والإدارة قد أدى إلى حدوث مشاكل وإضطرابات , الأمر الذي دفع بالسلطات إلى إصدار ميثاق التسيير الاشتراكي للمؤسسات .

المطلب الثالث :
مرحلة التسيير الاشتراكي للمؤسسات (1971ـ 1980) :لقد بينت الجزائر الاشتراكية كوسيلة لتحقيق التنمية الوطنية وتحسين ظروف الشعب الجزائري الذي عانى الكثير من ويلات الاستعمار الفرنسي , والقضاء على التفاوت الطبقي بين أفراد المجتمع , وذلك من خلال القضاء على النظام الرأسمالي القائم على الاستغلال والذي كان سائدا إبان الاستعمار .
وقد تحددت معالم هذا الاتجاه قبل الاستقلال , من خلال مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956, وبرنامج طرابلس في جوان 1962 , وفي ميثاق الجزائر بعد الاستقلال سنة 1964 وتتركز الاشتراكية على نظام الإنتاج الاشتراكي القائم على التعاون بين جميع المنتجين ,وعلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ونبذ الاستغلال , وتهدف الاشتراكية إلى تذويب الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع , والقضاء على التعارض بين العمال والرأسمالي وتحويلها إلى خدمة المجتمع وتلبية حاجاته , وهي تسعى بشكل رئيسي إلى النهوض بالطبقة العاملة وتحسين ظروفها .
ويتميز النظام الاشتراكي بمركزية التخطيط الشامل واتخاذ القرارات , وذلك للقضاء على الفوضى الاقتصادية وغيرها , كما يتميز أيضا بوجود هيئة مركزية تتمثل في الحزب الواحد كحزب جبهة التحرير الوطني في الجزائر سابقا , والذي يقوم بإعداد وتوجيه سياسة البلاد ومراقبة تطبيقها , لأنه دون حزب طلائعي حقيقي يكون المعبر الوفي عن مطامح الشعب العميقة , والحارس اليقظ على اختياراتنا ستتعرض الدولة لمرض الشلل وعدم الفعالية والبيروقراطية .
وبهذا فإن الحزب هو الذي يتولى رسم سياسة البلاد وممارسة الرقابة والإمساك بزمام الأمور .

وقد ظهر التطبيق الفعلي للنظام الاشتراكي في الجزائر في 16 نوفمبر 1971 , وذلك بموجب صدور وثيقة ,وذلك بموجب صدور وثيقة رسمية لتسيير المؤسسات العمومية بصورة جماعية وفقا للمنهج الاشتراكية ,وكان القصد من ورائه تطبيق المباديء الاشتراكية في تسيير المؤسسات العامة,خاصة مبدأ اشتراك العمال و التسيير ,وذلك لهدف تجاوز علاقات العمل السلعية القائمة على الأجر فقد أصبح العامل منتجا ومسيرا في نفس القوت.
لقد جاء هذا النظام لتجريب الديمقراطية في عالم الشغل واشتراك العمال في التسيير واتخاذ القرارات وممارسة الرقابة ,وتحسين ظروفهم ورفع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتقني ,وتحسين ظروف حياة الجماهير الشعبية عامة ,ورفع مستوى الإنتاج الوطني وتحقيق التنمية الوطنية الشاملة و الاستقلال الاقتصادي ,وقد صاحب صدور هذا القانون اتخاذ عدة قرارات مست الحياة الاجتماعية و الاقتصادية للبلاد ,ونعني بذلك قرار التخطيط الإجباري الذي يعتبر كخطوة هامة ,"لمساعدة الدولة ليس فقط لضمان مراقبة تسيير النشاطات الاقتصادية فحسب , بل ولتتدخل فعليا في كل وظائف الشركات " وقرار تأميم المحروقات الصادر يوم 24 نوفمبر 1971 , ومجموعة النصوص الخاصة بالثروة الزراعية في 8 نوفمبر 1971 , وكان كل ذلك في إطار المخطط الرباعي الأول (1970-1973) الذي كان منصبا على تدعيم الاستثمار في القطاعين الصناعي والزراعي .
إن تطبيق نظام التسيير الاشتراكي يتم في إطار المؤسسة الاشتراكية , التي هي " ملك للدولة تابع للقطاع العام تتولى الدولة الاستثمار فيها ومشاركة العمال في إدارتها وتسييرها وهي تسير حسب مبادىء التسيير الاشتراكي , ويتكون رأس مالها من أموال عامة , وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي , وتتضمن وحدة أو عدة وحدات , ويعتبر عمالها منتجون ومسيرون في إن واحد .

وترجع تنمية المؤسسة الاشتراكية إلى سببين جوهريين يتمثل أحدهما في أنها أداة تنفيذ للمشروعات التي اقتضتها السياسة الاشتراكية ويتمثل السبب الثاني في أنها تسير طبقا لمبادىء التسيير المحدد في الميثاق الاشتراكي للمؤسسات .
ولعل من ابرز هذه المباديء مشاركة العمال في تسييرها وفقا للقوانين الصادرة في هذا الشأن ,وبهذا فان المؤسسة الاشتراكية تعد بمثابة الوسيلة الأساسية لتحقيق أهداف التنمية الوطنية على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ,حيث تقوم بوضع الهياكل العامة لها ولوحداتها وتحديد أهدافها في إطار مخططات سنوية تتماشى مع المخططات الوطنية والعمل على التنسيق بين نشاطات هذه الوحدات في ميدان الإنتاج والتسويق و في الجانب المالي و الاجتماعي كما تقوم بوضع جدول للمرتبات داخل المؤسسة وذلك بالتماشي مع السياسة الوطنية للأجور .
إن أهمية المؤسسة الاشتراكية تبرز من خلال وظائفها وأهميتها في إدارة دواليب الاقتصاد الوطني, ومن ناحية نشاطها ومواردها المالية ,وقد كانت الأرباح التي تحققها هذه المؤسسات توزع على العمال والدولة والمؤسسة حسب حصص معينة ,وتخضع المؤسسة الاشتراكية للرقابة التي تمارسها السلطة المركزية عن طريق الوصاية ,وذلك ضمان الحفاظ على وحدة الدولة من بعض المخاطر وخروج هذه الأشخاص عنها حيث نصت الأوامر المتعلقة بالتسيير الاشتراكي على إن المؤسسة الاشتراكية توضع تحت وصاية الوزير أو الوالي أو رئيس المجلس الشعبي البلدي .
وتعمل الهيئات الوصية على توجيه المؤسسة وممارسة الرقابة عليها وتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق أهدافها ,كما تقوم بتعيين المدير العام للمؤسسة وسلطة الوصاية والإدارات الأخرى التابعة للدولة , كما تقوم أيضا باستلام التقارير وتوضيح الأهداف

التي يتعين على المؤسسة تحقيقها في إطار المخططات الوطنية الشاملة , كما تسهر على ضرورة تماشي نشاط المؤسسة مع السياسة العامة للدولة .
لقد جاء التسيير الاشتراكي لبعث الديمقراطية والمشاركة الفعلية للعمال في تسيير وإدارة المؤسسة , وذلك عن طريق ممثلين ينتخبهم العمال في جمعية عامة وفي اللجان الدائمة وفي مجلس الإدارة , وبذلك فان تسيير المؤسسة الاشتراكية يتميز بلامركزية الإدارة ومشاركة العمال حيث ظهرت عدة هيئات تتقاسم تسيير المؤسسة وإدارتها وهي : مجلس العمال , مجلس المديرية , المدير العام للمؤسسة , اللجان الدائمة .
1. مجلس العمال : يقوم العمال بانتخاب مجلس يمثلهم وينوب عنهم يسمى مجلس العمال , ويتمتع هذا الأخير بحرية التصرف في سائر السلطات لمراقبة سير المؤسسة وتنفيذ البرامج وتسيير المؤسسة والمخططات الرامية لتطويرها في إطار المخططات الوطنية الشاملة , وفي الاستثمارات ومصاريف المؤسسة وإيراداتها والتموين والتسويق والإنتاج كما يشارك في إعداد سياسة الموظفين والتكوين المهني , وسيستشار في أي إصلاح يتعلق بوضعية العمال وفي كل التعديلات التي يتم إجرائها على هياكل المؤسسة .
2. مجلس المديرية : يحدث على مستوى كل مؤسسة مجلس مديرية يترأسه المدير العام ويتكون من عدد معين من النواب المباشرين لهذا المدير ومن ممثل أو ممثلين ينتخبها مجلس النواب ويتراوح عدد أعضائه بين ( 9 -11) عضو كحد أقصى وأدنى , ويعمل هذا المجلس على الحفاظ على تسيير المؤسسة , في القضايا المتعلقة ببرامج التسويق والتموين , والإنتاج وتوسيع نشاطات المؤسسة , وبرامج الاستثمار , والميزانية وحسابات الخسائر والأرباح , وإجراء التقرير المالي والاقتصادي لسنة العمل , وقانون المستخدمين وجدول الأجور وتعيين ممثلين للمديرية في اللجان الدائمة للمؤسسة ,بالإضافة إلى تسوية الخلافات.
3. المدير العام للمؤسسة : يعين المدير العام للمؤسسة بموجب قرار يصدر عن الهيئة الوصية , و تنتهي مهامه بنفس الشكل و يتولى المدير العام تسيير المؤسسة تحت سلطة الوزير الوصي ,حيث يكلف بالتسيير العام للمؤسسة في إطار اختصاصاته الموكلة لمجلس العمال .
4. اللجان الدائمة : لقد جاء إنشاء اللجان الدائمة من أجل تحقيق مشاركة العمال في تسيير مختلف نشاطات المؤسسة بشكل دائم و ليس دوري , وتتكون هذه اللجان من أعضاء يعينهم مجلس العمال من بين أعضائه و هذه اللجان هي خمسة:
أ‌- لجنة الشؤون الاقتصادية و لمالية
ب‌- لجنة الشؤون الاجتماعية و الثقافية
ت‌- جنة التكوين و المستخدمين
ث‌- لجنة التأديب
ج‌- لجنة حفظ الصحة والأمن
وهكذا نستنتج بأن التسيير الاشتراكي جاء بنوع من التنظيم الرسمي للمؤسسة و ذلك بهدف تغيير نمط العلاقات الإنسانية السائدة فيها والقضاء على سيطرة البيروقراطيين في تسيير المؤسسة ,غير أن ذلك باء بالفشل بسبب طغيان المعايير غير الرسمية وسيادة النزعة التسلطية لدى المسيرين ,بالإضافة إلى العراقيل التي سبق ذكرها ونتساءل هنا عما إذا كان العمال في تلك المرحلة في مستوى هذا التنظيم ؟ وهل كانوا يتمتعون بالمؤهلات العلمية والمعرفية الضرورية للمشاركة في تسيير المؤسسات ؟
إن المتأمل لتلك المرحلة يجد بأن الأمية كانت منتشرة بصورة كبيرة في أوساط العمال ,هما حالة دون مشاركتهم بصورة فعلية في التسيير و اتخاذ القرارات ,الأمر الذي فتح المجال أمام البيروقراطيين ليسط نفوذهم و سلطتهم ,وتحقيق مصالحهم الشخصية ,و قد
جاء تعبير حيث يقول " فسياسة الاستثمارات شملت كل مناحي الحياة بما فيها الصناعة و الفلاحة والتربية و التعليم وعمت كل الميادين الاجتماعية, لكن بالرغم من كل المظاهر الإيجابية لهذه السياسة فإنها ساعدت بكيفية أو بأخرى على بروز العناصر الطفيلية في المجتمع , و هي تلك العناصر التي تجري وراء الربح الرخيص و الكسب الهين الذي يأتي بالنصب و التحايل ,و هذا واقع لابد أن يتفهمه العمال ولابد من الحذر كل الحذر من إن ينجروا وراء هؤلاء العناصر .
إذن عرفت المؤسسة العامة خلال هذه المرحلة نوعا جديدا من التنظيم و الإدارة يسمى بالتسيير الاشتراكي ,إلا أنه تعرض للعديد من العوائق و المشاكل من أبرزها الصراعات و الخلافات بين العمال و الإداريين ,وزيادة العبء المالي للمؤسسة العامة على خزينة الدولة ,و عدم تمكنها من الاعتماد على نفسها , الأمر الذي دفع بالدولة في التفكير في أسلوب جديد لإدارة هذه المؤسسات.











المبحث الثاني : إعادة الهيكلة والاستقلالية
المطلب الأول : إعادة الهيكلة (1980-1988) :ظهرت إعادة الهيكلة بعد تقييم المسار التنموي الذي خاضته الجزائر خلال العشرية السابقة ,حيث ظهرت عدة مشاكل و نقائص منها :
1. مركزية بحتة جعلت الجهاز المركزي للتخطيط يتدخل بصورة مباشرة لاتخاذ القرارات في مكان المسييرين الحقيقيين للمؤسسة
2. تمركز الاستثمارات في قطاع الإنتاج الصناعي
3. تزايد في حجم المديونية الخارجية
4. التراجع في ميدان النمو ,و كذلك كبر حجم المؤسسات الوطنية و صعوبة تسييرها و ارتفاع عدد المستخدمين فيها حيث تشير الإحصائيات إلى أنه في سنة 1980
كانت هناك 20شركة وطنية تشغل حوالي 365000 عامل ,ومن بينها شركة " سونا طراك " التي تشغل لوحدها حوالي 100000 عامل
هذا بالإضافة إلى عجز هذه المؤسسات و ضعف طاقاتها الإنتاجية و تدهور مردو ديتها ,و عدم قدرتها على تحقيق الأهداف المسطرة لها ,و كذلك سوء تسييرها بفعل سيطرة البيروقراطية و اتساع سلطاتهم نتيجة النمو السريع لهذه المؤسسات .
وتحت هذه الظروف ظهرت الضرورة للتخلي عن نضام التسيير الاشتراكي و البحث عن أسلوب جديد للخروج من هذا المأزق و النهوض بالاقتصاد الوطني و تحسين تسيير المؤسسات الوطنية, و ذلك عن طريق إعادة الهيكلة من خلال العمل على التقليص من حجم هذه المؤسسات ليسهل سيرها ,و كانت أول خطوة في هذا المسعى في نوفمبر 1979 عندما عين حزب جبهة التحرير الوطني لجنة لدراسة المواضيع العديدة المرتبطة بإعادة هيكلة المؤسسات الوطنية ,و التخفيف من مركزية التخطيط و التسيير وفي جوان

من نفس السنة قامت وزارة الطاقة بالتحضير لإعادة هيكلة الشركة الوطنية " سونا طراك ", و في 06 أكتوبر 1980 صدر النص القانوني الخاص بعملية إعادة الهيكلة للمؤسسات العمومية .
غير أن التطبيق الفعلي لهذا المبدأ (إعادة الهيكلة ) جاء بموجب النص التطبيقي المؤرخ في 27 فيفري 1980 .
لقد جاءت عملية إعادة الهيكلة من أجل رفع الإنتاج وتحسين التسيير , وذلك من خلال :
1- التقليص من المركزية البيروقراطية التي أصبحت تعرقل نشاطات المؤسسة وتقتل روح المبادرة والإبداع
2- تحميل مسيري هذه المؤسسات النتائج التي تحصل عليها مؤسساتهم
3- التخلص من نموذج تنمية مركز لمرحلة السبعينات , الذي يكلف الدولة مبالغ ضخمة خاصة بالعملة الصعبة وفي وقت عرفت إيراداتها تدهورا كبيرا
وبذلك فإن إعادة الهيكلة تقتضي انتقالا نوعيا نحو نمط جديد يختلف عن النموذج الذي كان في السابق , وذلك مما أدى بالدولة إلى الشروع في إصلاحات اقتصادية ابتداء من 1980 بالإضافة إلى ذلك فإن إعادة الهيكلة تهدف إلى تقليص حجم المؤسسات الوطنية العملاقة حتى يسهل تسييرها ومراقبتها .
وقد تمت عملية إعادة الهيكلة على مرحلتين :
1- المرحلة الأولى : تسمى إعادة الهيكلة العضوية : وتشكل القاعدة الأساسية في تطبيق عملية إعادة الهيكلة , وذلك من خلال تجزئة أو تقسيم المؤسسات الكبيرة وفقا لنشاطاتها إلى عدة مؤسسات صغيرة , حيث تنهض كل واحدة منها بجزء من النشاط العام الذي كانت تقوم المؤسسة الأم سابقا , وقد أعطيت الأولوية في هذا الشأن للمؤسسات التي تنتمي إلى القطاع الإنتاجي , والتي تحتوي على قوى بشرية هائلة ,

ونجد في مقدمة المؤسسات التي طبقت عليها هذه العملية مؤسسة "سونا طراك " التي قسمت إلى ثلاثة عشر مؤسسة , المؤسسة الوطنية "سوناكم " التي قسمت إلى إحدى عشر مؤسسة
2- المرحلة الثانية : تسمى إعادة الهيكلة العضوية , وتتمثل في منح استقلالية مالية للمؤسسة , وبذلك ترفع العراقيل المالية المتمثلة في الديون والخسائر المالية .
ولتحقيق الرقابة المالية على المؤسسات فقد بادرت الدولة إلى إدخال نظام لمراقبة النشاط المالي للمؤسسات الصناعية ,وذلك بهدف تحسين مردوديتها .
لقد أفضت عملية إعادة الهيكلة إلى إعداد برنامج خاص بالمؤسسة للتحكم في التسيير والإنتاج بعد تصغير حجمها ,وإجبارها بالنتيجة وفق الأهداف المسطرة في المخطط الوطني وذلك ما يدل على نوع من المركزية , غير أننا نرى بأن تحقيق المردودية
لا يتوقف فقط على مجرد تحسين الوضع المالي للمؤسسة وتصغير حجمها وإلا كيف نفسر وجود شركات عملاقة في الغرب مثل الشركات المتعددة الجنسيات التي تفوق مواردها موارد دولة كاملة , فالمشكلة هنا مرتبطة بنوعية العلاقات الإنسانية السائدة في المؤسسة الجزائرية وفي مدى وضوح الأهداف العامة المراد تحقيقها , ومدى انسجامها مع الأهداف الخاصة بالعاملين بها , وهذا ما تعانيه المؤسسة الجزائرية التي كانت " تفتقر إلى الإطارات المديرية في التسيير ,..." أي أن نقطة الضعف في التسيير تكمن في عدم تأهل الكثير من المسيرين لدور الإشراف وتسيير الموارد البشرية ) , وللتغلب على هذه المشاكل فإن ذلك يتوقف على مدى فعالية نظام الاتصال الرسمي ونشاط قنواته على مختلف مستويات التنظيم خاصة الاتجاه الصاعد أي من القاعدة إلى القمة والذي يتمخض عنه مشاركة القاعدة العملية في التسيير واتخاذ القرارات ,وهذا لن يتحقق إلا من خلال وجود إطارات ومسيرين قادرين على توجيه العمال ,وخلق روح التعاون بين القمة والقاعدة , وتوجيه جهودهم وتنسيقها في سبيل تحقيق أهداف المؤسسة .



المطلب الثاني : استقلالية المؤسسات ( 1988-1995)
إن عملية إعادة الهيكلة التي مست المؤسسات العمومية في مطلع الثمانينات لم تأتي بثمارها فيما يتعلق برفع مردو ديتها رغم التخلص من المركزية و العراقيل البيروقراطية و الدخول في مرحلة اللامركزية فلم تتمكن المؤسسات العمومية من التخلص من عجزها بالرغم من التطهير المالي الذي قام به الدولة عدة مرات بالنسبة للبعض أحيانا ,و قد أرجع رئيس الجمهورية في خطابه الذي ألقاه سنة 1986 أسباب هذا العجز للمسيرين الذين اتهمهم بالعيش خارج الواقع الإقتصادي الجزائري .
كما أن عملية إعادة الهيكلة قد أفضت إلى فوضى في التسيير بسبب إسناد هذه المهمة إلى أشخاص غالبا ما يختارون على أساس معايير سياسية فقط .
أمام المحولات المتكررة للنهوض بهذه المؤسسات والتي تصاب دائما بالفشل فقد اعتزمت الدولة التخلي عنها , وذلك بعد العجز الكبير المسجل في خزينة الدولة حيث أصبحت هذه المؤسسات تشكل عبأ ثقيلا على الدولة فيما يخص نفقاتها ,و ذلك ما أدى إلى ضرورة البحث عن إستراتيجية جديدة و رفع مردو ديتها و قد تم اللجوء إلى الإستقلالية كوسيلة لتحقيق ذالك .
وتعني الإستقلالية " التصرف من طرف إدارة المؤسسة حسب نضرتها لكل ما يتعلق بكل أمورها و نشاطاتها المختلفة و بالأسلوب الذي يمكنه من تحقيق نتائج إيجابية بعبارة أخرى الإستقلالية معناها الإعداد الذاتي للقوانين أو القواعد " .
و بهذا فإن الإستقلالية تدور حول استقلالية التسيير ,و ذلك من خلال إعطاء الفرصة للمسيرين بالمؤسسة في حرية اتخاذ القرارات و صياغة الإستراتيجية الخاصة بالمؤسسة و تنمية قدراتها و الاعتماد على مواردها المتاحة ,و ذلك بمراعاة ظروف السوق بهدف زيادة المردودية وتحقيق الكفاءات الاقتصادية .
إن الإستقلالية في الجزائر تعد كحلقة من حلقات الإصلاح الإقتصادي التي شرعت الجزائر في تطبيقها منذ مطلع الثمانينات ,و قد تقرر تطبيق هذا المبدأ الاستقلالي طبقا للمرسوم رقم (88-01) المؤرخ في 12/01/1988 الذي نص في المادة الرابعة منه على أن الإستقلالية تخص المؤسسات العمومية المتمتعة بالشخصية المعنوية و الخاضعة للقانون العام و المكلفة بتسيير الخدمات العمومية ,و كذلك الجمعيات و التعاونيات و كل التجمعات .
وقد تم تحديد الهياكل و الإجراءات التي تنظم عملية إجراء الإستقلالية و التي من أهمها :
1- تسيير المؤسسة من طرف مجلس يتكون من 7 إلى 12 عضوا
2- وضع ثمانية صناديق المساهمة تقوم بتسيير ومراقبة أموال الدولة لدى المؤسسات المستقلة .
3- لا مركزية التخطيط و ذلك عن طريق إعداد مخططات سنوية للمؤسسات بالتنسيق مع مخطط القطاع و الاقتصاد الوطني ككل .
4- توزيع العملة الصعبة عن طريق الغرفة التجارية .
5- إلغاء ممارسة وصاية التسيير على المؤسسة سواء كانت بشكل مباشر أو غير مباشر ,بحيث تصبح لها الحرية في تنظيم علاقاتها التجارية و الاقتصادية وكذلك في اختبار عملائها الداخلين و الخارجين .
6- تغيير مختلف الرقابات سابقا .
هذا بالإضافة إلى تطبيق القانون التجاري على المؤسسات العامة المستقلة ,أي تخضع لميكانيزمات السوق أي الربح و الخسارة ( الإفلاس ).
و الملاحظ على النقطتين (2-3) السابقتين أنهما تطرحان نوع من التساؤل حول إمكانية العودة إلى المركزية ,و ذلك من خلال مساهمة المؤسسة في إنجاز الأهداف التي
تراها الدولة ضرورية كما أن " التدعيم المالي الذي تحظى به المؤسسات العمومية من الناحية المالية كدليل على استمرار تدخل الدولة و تدعيمها لتلك المؤسسات مع بقاء هذه الأخيرة دوما مرتبطة بتصور و قرارات الإداريين المركزيين " ,كما أن النقطة الأخيرة (6) تبقي هي الأخرى غامضة و غير مفهومة ونخشى أن تكون مرتبطة بالنقطتين اللتين سبق الإشارة إليهما حول العودة إلى المركزية .
وفي هذا السياق يرى بعض الملاحظين أن استقلالية المؤسسات لا يمكن أن تفهم " كعملية لتخفيف سيطرة الإدارات المركزية و المهيآت الوصية التي أصبحت بيروقراطية , بل تعني في جميع الحالات شكلا لتطوير العلاقات الرشيدة المنبثقة من منطق منهجي متناسق بين المؤسسات العمومية من جهة و الإدارات المركزية من جهة أخرى " .
و لتطبيق النمط الجديد من التسيير فقد وضع جهاز تتمثل مهمته في تطهير التسيير المالي و النقدي للمؤسسات و ذلك من خلال تحسين الوضعية المالية للمؤسسة بمنحها رأس مال ابتدائي للانطلاق من جديد ,و قد أدت هذه العملية إلى مرور حوالي 400 مؤسسة إلى طور الإستقلالية ,التي تخضع بموجبها المؤسسة لميكانيزمات السوق بالإضافة إلى تمتعها بحرية التسيير اتخاذ القرارات وفق ما يناسب ظروفها وإمكانياتها.
لقد أصبحت المؤسسة العامة المستقلة تخضع لمبدأ المتاجرة في جميع معاملاتها بحيث تتحمل كامل المسؤوليات و العقود التجارية التي تبرمها و توخيا للطابع التجاري عمد المشرع إلى تنظيمها في قالب تجاري ففي شركات مساهمة أو شركات محدودة المسؤولية تمتلك الدولة فيها أو الجماعات المحلية جميع الأسهم أو الحصص .
أم عن أجهزة إدارة المؤسسة العمومية الاقتصادية المستقلة فهي تتمثل في:
1- الجمعية العامة : تتشكل من مجموعة المساهمين في رأس مال المؤسسة ,وتمارس الصلاحيات التي يخولها لها القانون ,ويتم في الشركات محدودة المسؤولية إشراك
العمال في الجمعية العامة عن طريق ممثليهم رغم عدم مساهمتهم في رأسمال المؤسسة وذلك بهدف إقامة علاقات عمل غير سلعية,إذ من مهام المؤسسة المستقلة تعميق الطابع الديمقراطي لإدارتها وتسييرها .
2- جهاز الإدارة : في المؤسسات العمومية الاقتصادية المنظمة في شكل شركات مساهمة يتولى إدارتها مجلس إداري يتكون من ( 7 إلى 12) عضوا من بينهم عضوان يمثلان العمال , أما الأعضاء الباقون فيتم تعيينهم في إطار الجمعية العامة .أما بالنسبة للمؤسسات المنظمة في شكل شركات محدودة المسؤولية يتولى إدارتها مجلس مراقبة يتكون من خمسة أعضاء على الأكثر من بينهم عضو واحد يمثل العمال و باقي الأعضاء تعينهم الجمعية العامة.
3- المدير العام المسير : بالنسبة للمؤسسات المنظمة في شكل شركات مساهمة فهي تخضع لإشراف المدير العام الذي يتم انتخابه من طرف مجلس الإدارة , أما بالنسبة للمؤسسات المنظمة في شكل شركات ذات مسؤولية محدودة فإن مجلس المراقبة يتولى اقتراح وتعيين المسير للمؤسسة .
وقد شهدت المؤسسة العامة خلال هذه المرحلة ( الإستقلالية ) العديد من الصراعات والمشاكل ,فقد شهدت سنة 1988 الكثير من الإضرابات والفوضى التي عمت كافة القطاعات الاقتصادية حيث تعرضت المؤسسات لعمليات الشغب و التخريب ,و جاءت هذه الأحداث كتعبير للسخط الاجتماعي عن الوضع الذي تعيشه البلاد إبان تلك الفترة و الذي صاحبه استيقاظ عمالي تعبيرا عن الوضع المزري و رفض الواقع المعاش فترجموا ذلك في شكل حركات إضرابية واسعة و تخريبية أيضا ,فقامت الحكومة بإجراء العديد من التعديلات منها الاعتراف بحق الإضراب ,فصدرت عدة قوانين تنظم علاقات العمل وتؤكد الاعتماد على مبدأ المفاوضة لتأكيد هذه العلاقات و اعتبارها قائمة على التعاقد (عقود العمل ) ,وكذلك إقرار التعدية النقابية ,التي أخذت طابعا حزبيا ,الأمر الذي أدى إلى تحول المؤسسة إلى مسرح للصراعات الحزبية و السياسية و عدم قيام
النقابات بدورها الأساسي الذي يتمثل في تحسين ظروف العمال و الدفاع عن مصالحهم ,و هكذا أصبح الإضراب حقا من حقوق العمال بعدما كان محظورا و تعاقب عليه القوانين , فقد حدد المشرع الجزائري الإطار القانوني لممارسة هذا الحق بهدف عدم الإضرار بالاقتصاد الوطني.
لقد جاءت الإستقلالية لإعطاء الحرية للمؤسسة لإدارة وتسيير مواردها بنفسها وفق ظروف السوق و الاعتماد على إمكانياتها الخاصة ,غير أنها مع ذلك تبقى خاضعة للمخطط القطاعي و الوطني .
و ما يمكن تسجيله في هذه المرحلة هو غياب تصور سليم لكيفية الانتقال من اقتصاد متمركز إلى لاقتصاد يعتمد على منطق قوي العرض و الطلب ,هذا بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي الذي تجسد في تعاقب الحكومات بشكل سريع وصل بالتقريب حكومة لكل سنة ,الأمر الذي أثر على عملية التنمية و البرامج و الجهود التنموية ,خاصة و أنه لا يوجد هناك أمل في برامج هذه الحكومات ,فلكل حكومة برنامجها الخاص .
المبحث الثالث : تقييم استنتاجات
المطلب الأول :
أسباب فشل المؤسسات الاقتصادية في تحقيق أهداف التنمية :إن المتفحص لمختلف مراحل التوجهات الاقتصادية التي عرفتها الجزائر يظهر له جليا عدم التناسق أو التكامل بين كل الفترات المتتالية ,بسبب تباين مراكز اتخاذ الإقرارات في أهداف عمليات الإصلاح أو التعديل الإقتصادي ,حيث كانت هذه القرارات التي تتخذ على المستوى المركزي تتميز بعمليات معقدة وغير مرنة إلى درجة أن بعض القوانين و المراسيم غير المنطقية وغير الموضوعية تجد موضوعيتها في المصالح الاقتصادية .
و على العموم كانت المؤسسة العمومية ذات طابع اقتصادي و لكن تعريف مهامها و تعيين مسؤولها كانت كلها تابعة للسلطة لسياسية ,و بهذا كان الحوار السياسي داخل المؤسسة العمومية يشغل مكانا رياديا وهذا بسبب الارتباط الوثيق الذي كان يربط الدولة و الاتجاه السياسي في بالجهاز الإقتصادي .
و بالتالي أصبح من الصعب على المؤسسات العمومية أن تحدد الأهداف الحقيقية لتواجدها (الاستمرارية ,المردودية ,الربح ...) لأنه يفرض عليها أهداف أخرى متعارضة و غير معترف بها وليس لها أي مضمون اقتصادي معقول ,هذه الوضعية التي أدت بالمؤسسات العمومية للقيام بممارساتها فيما يخص التشغيل و الأسعار و الأجور مستمدة شرعيتها من التسيير السلطوي الإقتصادي الذي يمكن أن نلحظه فيما يلي:
1. توسع مجال المؤسسات العمومية الاقتصادية بحيث شملت مجمل النشاطات الاقتصادية ( إنتاج ,توزيع ,خدمات ,نقل ,صيانة,...) مما جعلها تتحمل تكاليف إضافية لا يستطيع سعر بيع المنتوج تغطيتها .
2. إن ظهور المؤسسات العمومية كان وراءه دوافع اجتماعية و سياسة و ليس دوافع اقتصادية .

3. يعين المديرون و المسئولون على أساس معايير أخرى غير الكفاءة الفنية ,فأحيانا كانت السلطات السياسية تقوم بتعيين مسئولين سياسيين على المؤسسات العمومية الاقتصادية كمكافأة لهم على خدمات قدموها ,و بعد ذلك تبين أن ذلك الشخص لا يتمتع بقدرات لازمة للتسيير ,بالإضافة إلى أن هؤلاء الأشخاص المعينين على رأس المؤسسات العمومية الاقتصادية ,كانوا يدافعون على مصالحهم الشخصية أولا ثم مصالح المسؤولين الذين عينوهم أكثر مما يدافعون على مصلحة المؤسسة .
4. ضعف نظام المراقبة ونظام الحوافز .
5. بيروقراطية الغدارة العمومية و بطئها في التحرك .
6. العمالة الزائدة و الأساليب المتبعة من طرف الدولة في سياسة التوظيف .
7. سياسة الأسعار التي تتبناها الدولة إضافة إلى عدم الإطلاع على رغبات المستهلكين من السلع و الخدمات ,كما ينجر عنه توجه مباشر للسلع المستوردة على حساب الإنتاج الوطني .
8. قصور الإنتاج على قوى الأهداف الكمية و عدم الاهتمام بالربحية التجارية التي هي الأساس الرئيسي لوجود واستمرار المؤسسة .
9. إن المؤسسات العمومية لا تواجه ما سماه " يانوس كور ناي " قيد الموازنة الصعب فهي تعرف أنه طالما خمنة الدولة تحويل ميزانيتها ,ففي استطاعتها تتحمل تكاليف وتبيع بأسعار لا قبل لمنافسي القطاع الخاص بها ,ويضيف بأن المؤسسات العمومية تواجه " قيد ميزانية هينا " , وبالتالي فهي تفقد الخاصية الملحة إلى التغيير والكفاءة الذين هما من سمات القطاع الخاص المنافس.
كل هذه الممارسات من طرف المؤسسات العمومية أدت إلى اختلال كبير في توازنها المالي ووضعية محرجة للغاية تتصف بـ:
مديونية هامة .
عجز متتالي ومتكرر .
هيكلة مالية غير مناسبة وغير كاملة (أهمية الاستثمارات غير المنتجة وقدم الاستثمارات المنتجة ) .
الأمر الذي جعل الدولة تدخلت من اجل إخراج المؤسسة من الوضع المالي المتردي وبالتالي لجأت إلى التطهير المالي الذي هو أكثر من ضروري خاصة للعجز الكبير والكلي للاقتصاد الوطني .
المطلب الثاني : ما كان يجب أن تقوم به المؤسسات العمومية لتحقيق أهدافها :
إن تدخل الدولة في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني حتى تخرجه من الأزمة الخانقة , كان راجع أساسا إلى المشاكل العديدة والعويصة التي تعاني منها المؤسسات العمومية التي جعلتها تلجأ إلى الاقتراض المستمر والمتزايد من أجل تحقيق توازنها المالي , لكن ما يجب قوله أن الدولة كان بمكانها أن تتفادى تدخلها عن طريق إعتمادات ضخمة لإعادة التوازن المالي لهذه المؤسسات ,وفرضها لأهداف ليس لهل أي مضمون اقتصادي , عملت من تحسين مردو ديتها وفعاليتها الاقتصادية في إطار إستراتيجية حقيقية ترتكز أساسا على :
1. تطوير وإعادة تحديد أو تعريف النشاطات :
وهنا يقصد به إعادة مركزة للنشاط بالنسبة :
ميول ونزعة المؤسسة وإمكانياتها الحقيقية .
استغلال الإمكانيات المادية والبشرية والفرص المناسبة استغلالا أمثلا :
2. تحسين التسيير :
كان بإمكان المؤسسات العمومية اقتراح حلول ملموسة وواقعية وبالأرقام للعمليات والأساليب الواجب وضعها للاستعمال وتحديدها لأنظمة أحسن تكيفا من اجل تسيير مختلف الوظائف .
كان يجب أيضا أن يكون هناك اهتمام خاص يأخذ بعين الاعتبار:
المحاسبة العامة والتحليلية.
متابعة ومراقبة التكاليف.
نظام الإعلام ولوحة القيادة tableau de bord
تحسين أداء المسيرين.
3. رد الاعتبار للجانب الصناعي:
كان بإمكان المؤسسات العمومية وضع مخططات لرد الاعتبار للجانب الصناعي وتتضمن الاهتمامات التالية :
عصرنة وتالية أداة الصناعة والطرق التكنولوجية وجعلها مواكبة للبرامج المتخذة والتوجهات المستقبلية.
استثمارات الجديد والتطوير أين المردودية تكون صراحة موضوعة بوضوح.
تدعيم وعصرنة التنظيم التقني للعمل (تسيير الإنتاج ,مراقبة النوعية,صيانة فعالة....).
التجديد والابتكار.
النمو الداخلي والنمو الخارجي.
4. التسويق والمتاجرة .
كان بإمكان تشكيل المؤسسة داخل حركية وديناميكية السوق والمحيط وذاك من خلال:
ضمان حصة مناسبة في السوق.
الحماية من المنافسة.
القدرة على التفاوض (الحصول على القروض, اقناع الموردين)
الحكم بالأسواق.
الأخذ بعين الاعتبار محيط المؤسسة (المحيط السياسي , الاقتصادي , الاجتماعي, الطبيعي).
5. الجانب الاجتماعي :
كان بإمكان إعداد مخططات واستراتيجيات تقنن العلاقات الاجتماعية داخل المؤسسة وذلك من خلال :
تحسين انتشار العمال (تكييف القدرات , مناصب العمل) .
استراتيجية التوظيف وتسيير المهن .
العمل على تثبيت أو تركيز شخصية كل عامل داخل المؤسسة .
تحسين العلاقات الاجتماعية(حل النزاعات ما بين العمال والإدارة وما بين العمال فيما بينهم ) .
الاهتمام بقضايا التحفيز والترقية والتدريب والتكوين والترفيه .
6. الجانب المالي :
كان بإمكان وضع استراتيجية ترتكز أساسا على :
التوازنات المالية على المدى القصير ,المتوسط والطويل الأجل .
مستوى مديونية منسجم مع تأمين الخدمة .
ذمة مالية كاملة ومناسبة .
هذا ما كان يجب على المؤسسات العمومية أن تهتم به في مجالات نشاطاتها حتى يتسنى لها تحقيق الأرباح والنمو والاستمرارية ,لكنها في الحقيقة وبكل أسف وحسرة لم تعرف خلال مراحل الإصلاحات والتحويلات الاقتصادية التفرقة بين العمل السياسي والعمل الاقتصادي , وأخذت في الحسبان وقبل كل شيء تحقيق الغايات الاجتماعية الأخرى الأمر الذي أدى اختلال توازنها المالي وعجزها المتتالي والمتكرر وثقل مديونيتها .
وبالتالي دفع الدولة إلى اتخاذ بعض الإصلاحات والإجراءات الأخرى حتى تخرج هذه المؤسسات من ألازمة الخانقة التي تعاني منها ,من ضمن هذه الإجراءات عمليات التطهير المالي الذي تأكد في وقت ما انه أكثر من ضروري , بل هو إجراء لا مناص منه خاصة للعجز الكبير و الكلي للاقتصاد الوطني ,وهذا ما سنتعرض له في الفصل الثاني .






خاتمة الفصل الأول :
شكل القطاع العام الإقتصادي الأداة الرئيسية في القيام بالتنمية الشاملة في الجزائر لإنشاء المؤسسات الاقتصادية , والتي هي تعبيرا عن تطور وظيفة الدولة وتدخلها في شتى الميادين , وخاصة الميدان الصناعي والميدان التجاري استجابة إلى احتياجات المجتمع ومتطلباته , وذلك أن أهمية القطاع العام تبقى حقيقة ثابتة وقائمة في مختلف الأنظمة بغض النظر عن بعض السياسات الاقتصادية المتبعة , وما يتغير إنما أساليب وقواعد التسيير والتنظيم .
والمؤسسات العمومية منذ الستينات حتى يومنا هذا مرت بعدة مراحل , حيث انتقلت من مؤسسات مسيرة ذاتيا في البداية إلى التسيير الاشتراكي , ثم إعادة الهيكلة . واعتبار من هذه المرحلة لم يكن الانتقال سوى أسلوبا مرتبطا بتشجيع انتشار المؤسسات العمومية .
وبذلك تم تفصيل المؤسسة العامة على المؤسسة الخاصة , وهذه النظرية شجعت على العمل بأسلوب إداري بيروقراطي بعيدا عن أسلوب التنظيم والتسيير , والذي لا بد وأن يتماشى مع طبيعة معطيات المؤسسة في إطار التخطيط الشامل .
ومع مرور الزمن أصبحت كل المؤسسات دون استثناء (صناعية , تحويلية , تجارية , مالية , خدمية ) عاجزة عن دفع أجور عمالها , وهذا العجز أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية للمؤسسة وكذا الجهاز الاقتصادي على المستوى الوطني .
لذا فقد فكرة السلطات مرة أخرى في أسلوب إصلاحي جديد هدفه خلق الثروة للمؤسسات وليس توليد العجز , ويسمى هذا الإصلاح بالتطهير المالي والمرور إلى الاستقلالية .ويرتكز على لامركزية القرار المالي والاستثماري والإنتاجي والتسويقي , وغيرهما من القرارات التي تهدف إلى تحقيق الفعالية الاقتصادية (المردودية , الإنتاجية), كما يعتبر هذا الإصلاح ضرورة حتمية لابد منها للخروج بالمؤسسة من الأزمة الاقتصادية ,و منه القطاع الاقتصادي ككل .


الفصلالثاني : التطهير المالي

المبحث الأول : المفهوم الشامل للتطهير :
تمهيد :
إن المؤسسة مثل الكائن الحي يولد ويعيش ويموت , وفي نطاق وجودها تستدعى للتعرف على عدة أنظمة وعدة وضعيات ,فإن وجدت داخل محيط غير ملائم يمكن لها أن تعرف مراحل صعبة وأزمات ويؤدي ذلك حتما إلى سقوطها .
المؤسسة الجزائرية منذ الاستقلال وهي "حقل التغيرات " التي أظهرت الفوضى المالية والنقدية على المستوى الاقتصادي الكلي , وضعف نظامه وتنظيمه في المسايرة السريعة والتأقلم مع تغير المحيط الوطني والدولي .
ولهذا انصب التفكير على سياسة إصلاحية أخرى , تهدف أساسا إلى العودة إلى تسيير سليم وعفيف على مستوى الاقتصاد الوطني وعلى مستوى المؤسسات مهما كان نوعها ونشاطها , وتحديد توازن هيكلي يعمل فيه كل المتعاملين الاقتصاديين حسب المعايير والقيم المباديء العالمية .
لكن واقع المؤسسات العمومية بين أن معظمها كان يوجد في المستوى الأدنى من نجاحها , في مرحلة أزمة ..., أي أنها كانت المباديء والمقاييس "hors normes" لذلك فكر في تطهيرها ماليا .
و نعلم أنه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها عدم التوازن المالي للمؤسسات العمومية على القوة العمومية فمنذ سنة 1970 عدة إجراءات لعمليات التطهير كانت قد اتخذت و عمم هذا التطبيق في بداية الثمانينات في إطار إعادة الهيكلة العضوية للمؤسسات ,و الحملة الأخيرة ما زالت راسخة في أذهاننا لأنه شرع فيها سنة 1990 /1991 من خلال مناشير وزارة الاقتصاد :
• رقم 27 ليوم 16 مارس 1991


• رقم 92 / 02 ليوم 28 أوت 1991 و التي حددت كيفيات التطهير المالي للمؤسسات العمومية الاقتصادية و أعطت الضوء الأخير لبدأ العملية و ترجمت أساسا بإجراءات .
• تدعيم الديون البنكية قصيرة المدى للمؤسسات .
• تعويض فقدان الصرف .
• إعادة الرسملة .
كما أنه لا نستطيع أن نتحدث عمليا عن عمليات التطهير المالي دون أن نصيغه في سياقه الحقيقي ,و من أجل ذلك وجب أن نأخذ بعين الاعتبار ما يلي :
• التطهير قرر في إطار إصلاحات عميقة على الصعيد الإقتصادي و السياسي معا .
• لم يصمم التطهير على المستوى الاقتصادي الجزئي فقط بل هو جزء من التطهير الكلي للاقتصاد الوطني
• عملية التطهير تدعو فعلا إلى تهيئة و تنظيم إجراءات وتحسين القدرات الإنسانية و المادية الموجودة على قاعدة التحليل و التقييم .
• المسؤوليات أو على الأقل السلطات الاقتصادية على مستوى الاقتصادي الكلي والجزئي يجب أن تكون قد تحددت فعلا و بدقة .
• مخطط التطهير يجب أن ينجم أو ينتج حتما من تشخيص إستراتيجي للمؤسسة و أن يكون في العمق ,لكي يواجه الأسباب العميقة للتدهور الهيكلي , وكذلك أن يتوجه بحلول نوعية للسماح للمؤسسة بأن تساير شروط اقتصاد السوق .
وبهذا يتضح أن التطهير المالي لا غنى عنه ,كما يظهر أنه أولوية في التحولات الاقتصادية ,و لكن من الواجب أن نعرف مسبقا الأهداف بالنسبة لعملية التطهير , التي توحي من القاعدة الأساسية والتي تشترط فعلا الاستقلالية الحقيقية. هذه الأهداف تشير في الحقيقة إلى تحرير المؤسسات من التبعية و الإكراهات.
ما يجب قوله :
إن هذا التطهير المالي الذي يسجل في سياق خاص بالاستقلالية للمؤسسات,يجب إن يكون مسبقا بإنشاء تشخيصات وفي جميع الحالات يستند إلى مخطط إصلاحي يرمي إلى إمكانية تحقيق الأهداف و الأفاق, ويسمح بتسيير العمليات التي تهدف إلى إلغاء العجز, والتحديد بدقة للموارد الضرورية لعملية التطهير.
المطلب الأول : تعريف التطهير المالي
التطهير المالي هو احذ الإجراءات الهامة التي اعتمدت عليها الدولة الجزائرية مؤخرا,وذلك من اجل إنعاش الاقتصاد الوطني والنهوض بالمؤسسات العمومية,فهو عملية ضرورية تودي إلى الاستقلالية والعمل على إعادتها إلى توازنها المالي والهيكلي حتى تتمكن من الوفاء بكل التزاماتها المالية اتجاه البنوك والمؤسسات المالية الأخرى .
إن عملة انتقال المؤسسة العمومية الاقتصادية إلى الاستقلالية,يشترط توفر "وصغ" صافية موجبة لهذه المؤسسات التي ستدخل في الإطار الجديد , حيث تصبح قادرة على مواجهة تحديدات اقتصاد السوق.ولكن قبل هذه المرحلة لابد من إعداد المؤسسة لهذا الوضع الجديد وذلك بتطهيرها ماليا, وهو ضرورة حتمية عملية الاستقلالية, فهو الجسر الذي تمر من خلاله المؤسسات لممارسة نشاطها في إطار اقتصاد السوق,أساسا بالمركز المالي للمؤسسات التي تعاني العجز الخانق نتيجة الخسائر المستمرة والمتراكمة من السنوات السابقة.
وبالتالي جاء التطهير المالي لإعادة البنية المالية أو البحث عن الهيكلة المالية السليمة مع إعادة رسملة المؤسسات و التكفل بالخسائر,ودلن عن طريق راس مال عامل جديد وتمكينها من التعامل مع البنوك وتوفير القدرة الكافية للتمويل الذاتي والتسديد بفضل توفير السيولة.
وتجدر الإشارة إلى إن هناك عملية سابقة لعملية التطهير المالي,تهتم بإعادة المعالجة النظامية لكل الحسابات الخاصة بكل مؤسسة تدعي التطهير المحاسبي"الذي يهدف إلى المطابقة لكل الحسابات مع الموجودات الفعلية.
وعلى هذا التطهير المحاسبي يعرف على انه عملية نهائية للمراجعة وتصفية الحسابات,ومؤسس على التحليل المسبق لكل حسابات الأصول والخصوم وعلى الجرد الطبيعي ككل.


المطلب الثاني : أهداف التطهير المالي
من بين الأهداف التي كانت الدولة تتمنى تحقيقها من جرى تطبيق عملية التطهير المالي :
- تصحيح ومعالجة العجز الذي كان لميس نظام التسيير وكذا إيجاد التوازن في الأصول والخصوم للمؤسسة وتوازن الاستغلال وهذا بتخفيض التكاليف المالية والرأسمالية التي تسمح لمعادلة مختلف أقسام الأصول بمعنى معالجة الاستدانة المؤسسة وتجميدها.
- تمويل الديون الطويلة إلى متوسطة وقصيرة الأجل,وذلك من اجل التصحيح الجذري في إطار السياسة النقدية الجديدة والمنصوص عليها بقانون النقد والقرض لسنة 1990.
- توطيد علاقاتها التجارية مع البنوك والتركيز على وضعها المالي المطهر,هذه العلاقات الجديدة ممكنة لتطهير الأوراق المالية من جهة البنوك,كما يعمل التطهير كذلك على تصحيح الأوراق المالية للبنوك.
- يهدف التطهير المالي إلى تشجيع خطة تعديل الإجراءات المالية وذلك لتحقيق المردودية وبالتالي فالمؤسسات العمومية مجبرة على تامين نشاطاتها الإنتاجية في أحسن الظروف.
- تطهير الحسابات وإعادة تقييم الاستثمارات التالية للإهتلاك
- دفع التأخر من أجور العمال.











المبحث الثاني : إجراءات التطهير المالي
تمهيد:
التطهير المالي للمؤسسات العمومية يخضع لإعادة مخطط التطهير-التعديل, الذي يحب على كل مؤسسة إن لم تعده أو تحضره بعناية واهتمام فقط, ولكن أيضا إن تكون قادرة على التفاوض مع الإطراف المتعلقة بهم الإجراءات الاقتصادية و المالية التي يتضمنها هذا المخطط,إن الخطوة الطالب بها من طرف القوات العمومية يود إن تكون إجمالية و ديناميكية في الاتجاه الذي لا تعني به تطهير مالي بسيط, لان الرهانات مهمة بسبب اتساع الإحجام المالية من جهة,وتكيف المؤسسات العمومية الاقتصادية في السياق الجديدة لاقتصاد السوق من جهة أخرى,بعبارة أخرى الهدف الاستراتيجي يجب إن يقود إلى تعديل وإصلاح المؤسسة من اجل أعطاها الإمكانيات و الوسائل للدفاع والحذر من الآثار السلبية, كفقدان التوازنات المالية خاصة.هذه الدراسة للمؤسسات العمومية الاقتصادية والتي نشير إليها بالعبارة(مخطط التطهير-الإصلاح تتحقق من طرف محترفين في المجال وتحت مسؤولياتها.
المطلب الأول : عمليات التشخيص الاستراتيجي
هذا التشخيص يشكل على أساس خطوة تحليلية متعلقة بالماضي وكذلك المستقبل, و أيضا على تقدير نقاط قوة وضعف المؤسسة عبر مختلف وظائفها,كما إن هذا التشخيص يحاول إن يكشف كل الإمكانيات و الوسائل التي يجب استغلالها والنقائض التي يجب العمل على تكملتها.نظرا لخصائص المحيط و تطوره.
التشخيص الاستراتيجي باعتبار انه لا رجعية فيه لمخطط التطهير بالنسبة للمؤسسة فانه يرتبط بالجوانب التالية :
1. التشخيص الصناعي و التجاري :
1-1. الإنتاج : تحليل عوامل الإنتاج لمجموع المؤسسة ولكل وحدة على حدا ويعالج:
- حالة أدوات الإنتاج و درجة عصرنتها.
- تماسك التصرفات التكنولوجية مع التجهيزات المتاحة.
- عصرنة الطرق و الإجراءات المستعملة.
- صيانة ورد الاعتبار لتجهيزاتها.
1-2. الاستثمارات :
هذا التشخيص يعالج الاستثمارات في طور الإنجاز أي المشاريع التي شرع فيها حقيقة علا الميدان و التي يتم التعاقد عليها ماليا التحاليل تأخذ خاصة:
- الخصائص الرئيسية للمشروع
- تعيين ثوابت المشروع
- التقدم المادي والمالي
- الصدمات المتوقعة على الإنتاج والتراكمات العمومية الاقتصادية
1-3. الكفاءات التكنولوجية:
تحليل شروط سير آداة الانتاج و فعالية الركائز التكنولوجي. التي تعد ضرورية:
- فعالية طرق العمل و المستويات الإنتاجية و فعالية التكنولوجيا المستعملة
- درجة المكننة و شروط استعمال و صيانة معدات الانتاج .
- حجم،هيكلة ، ومدى تماسك البرنامج الاستثماري الحالي بالنسبة إلى الحواجز الموجودة .
1-4. السوق :
إن هدف إصلاح أو تعديل المؤسسة هو تكيفي مع السوق وهذا التشخيص يقوم بـ :
- تحليل الخصائص الحالية للسوق فيما يخص الحجم , القيمة , النوعية.
- سوق المؤسسة الاقتصادية العمومية وغطاؤه , مع مقارنة المنتوجات من ناحية النوعية والسعر وكذلك طرق المتاجرة المستعملة من طرف المؤسسة ( تسويق , توزيع .....)
- تحليل ديناميكي للهيكلة. سلوكيات و تحركات السوق اتجاه مختلف مركباته ( الزبائن , المنافسين , الشركاء , المنتجات المالية .....)
1-5. المحيط : يحلل :
- خصائص محيط المؤسسة العمومية الاقتصادية
- خصائص القطاع الذي تنتمي إليه المؤسسة
- الإكراهات الخارجية (ضرائب,
- الإكراهات الداخلية
2. التشخيص التنظيمي.
2-1. هياكل النظام :
تحليل مع النقد لنظام المؤسسة بقصد كشف التعاونيات الممكنة
- التوازنات الهيكلية و المترابطات الوظيفية
- درجات اللامركزية و درجات التكامل الأفقي و العمودي
2-2. أساليب التسيير:
تقدير الفعالية و العملياتية لإجراء أساليب التسيير .
- نظام الإعلام (ملائم, الفعالية, إمكانية التشغيل...)
- نظام و أسلوب التخطيط (درجة التوقع, قدرات اشتراك الوظائف فيما بينها )
- المراقبة العملياتية ( تماسك الأدوات الموجودة , الفاعلية , إمكانية التشغيل ...)
2-3. نظام الإدارة:
- القدرات الإدارية للإطارات الموجهة,الخبرة,درجة التحضير في الإدارة...
- نظام الاتصال (الفعالية,التقاليد الموجودة,قابلية تجنيد العملاء...)
- نظام القرار (تحليل درجة اشتراك التأخير,درجة الموافق,مستوى متابعة بداية التنفيذ والتطبيق الفعلي...)
- نظام الإنعاش (الملائمة,المعايير التقديرية,قدرة التعليل,الصدمات على الإنتاجية...)
3. التشخيص الاجتماعي :
- هيكلة العمل (مستوى التأطير,درجة التخصص,الخبرة المتوسطة...)
- مستوى المطابقة (موارد إنسانية,مقتضيات المناصب)
- تعليم الترتيبات الموجودة بصدد تسيير الموارد الإنسانية من اجل الأخذ على العاتق الإجراءات الإصلاحية المحتملة
- درجة الثبات و الأخذ بعين الاعتبار الجانب الاجتماعي للعمل
- مجموعة العمال و ملائمتهم للنشاط و العلاقات الاجتماعية داخل المؤسسة
- سياسة التوظيف ,التسريح ,التكوين والمكافآت
4. التشخيص المالي :
الهدف النهائي لكل هذه العملية هو التطهير المالي للمؤسسات العمومية الاقتصادية بعد تحليل صحيح لوضعيتها والإجراءات التي يستدعيها إصلاحها ,يقتضي إذن اتخاذ إجراءات في الجزئيات التالية :
- تحليل التقارير المقدمة من طرف المراقبة الداخلية والخارجية وتحليل العوامل الحالية للتدهور
- تحليل الوضعية المالية للمؤسسات العمومية الاقتصادية داخل جميع مركباتها
4-1. المردودية:
تحليل مردو دية المؤسسة والأسباب الداخلية والخارجية المؤدية لعدم التوازن المسجل .
4-2. الهيكلة المالية :
- مستوى و بنية المديونية ,الذمم,رأس المال العامل
- مستوى رأس المال الاجتماعي
- مستوى حالة وبنية المخزون
4-3. تقويم الخزينة :
- مستوى السحب على المكشوف والأسباب العميقة المؤدية إليه
- قدرات التسديد للديون
- مستوى واتجاهات التدفقات النقدية
5. التقرير الشامل :
وهو يشكل نتيجة التشخيص الاستراتيجي ,ويجب أن يتضمن على هذا الأساس جانبين متميزين :
5-1. الوضع الاستراتيجي للمؤسسة وتحديد مخطط العمل المناسب
- مؤسسة سليمة بدون أخطار مستقبلية مخطط التنمية
- مؤسسة سليمة بدون أخطار محتملة مخطط إعادة الهيكلة
- مؤسسة متدهورة هيكليا ولكن يمكن استرجاعها مخطط التعديل ,الإصلاح
- مؤسسة متدهورة هيكليا ولكن لا يمكن استرجاعها مخطط التصفية.
5-2. النصائح المسبقة لمخطط تطهير المؤسسة والتي تتمثل في التوجهات الاقتصادية الاستراتيجية التي تخص مخطط العمل والإجراءات الطارئة المطالب بها من طرف المؤسسة وصندوق المساهمة المسيطر عليها ,وهذا المخطط يتضمن ثلاث جوانب :
أ‌- الإجراءات الطارئة:
ويقصد هنا بالاقتراحات التقنية و الدقيقة و النوعية لكل مؤسسة,وبصفة عامة هذه الإجراءات يمكن أن تكون على الشكل التالي :
- إعادة تقيم الاستثمارات.
- اختيار نظام الأهتلاك المناسب.
- إعادة هيكلة الديون عن طريق تدعيمها إلى قروض مساهمة أو سندات.
- العمل على زيادة راس المال الاجتماعي عن طريق مساهمة من المساهمين أو بطرق أخرى (إصدار أسهم جديدة, إعادة تقويم الأسهم, تدعيم جزء من الأسهم...).
- إعادة معالجة الذمم و المخزون (تصفية المخزون الميت, تدعيم الذمم غير المغطاة...).
- تطهير الممتلكات (تصفية الاستثمارات المهملة, التنازل عن النشطات غير المنتجة...).
تعديل ارتفاع مختلف الأسعار مناجل تخفيف اثر انحرافها.
ب‌- مخطط العمل متوسط الأجر:
هذا المخطط يمكن أن يلاحظ من ثلاث أجزاء
- التعداد الدقيق للعمليات المراد المباشرة فيها.
- تحديد الكيفيات, الشروط, الاستحقاقات المسبقة لتحقيقها.
- تحديد شروط متابعة تنفيذها.
ج‌- الآفاق أو المستقبل بالأرقام:
هذا الجانب يحاول أن يجيب بطريقة ترتيبية أو اصطناعية على نتائج المستقبل بالأرقام, على أساس إعادة الهيكلة المرتقبة ,إن مقارنة هذه الأرقام مع الوصفية الداخلية تسمح بقياس وتقدير عملية التطهير .
في الأخير نشير إلى أن نتائج التشخيص تعمل على هذا التحليل من طرف المؤسسة أو تشرف عليه, بقصد التثبيت والتصديق نهائيا على المحتوى و البلوغ إلى التميز الكثير عدولا و الصياغة و التعبير الأكثر ملائمة للوضعية المفضلة للمؤسسة لأن نتيجة هذه الخطوة و دقة التقديرات و وضوحها لها أهمية حيوية للمؤسسة.
المطلب الثاني: الإجراءات المحاسبية,القانونية و المالية.
تتميز المؤسسة العمومية الاستقلالية من مرحلتين :
المرحلة الأولى: تحققه مند الفصل الأول لسنة 1988 وتتجه أساسا إلى :
- إنشاء صناديق المساهمة
- تحديد أو تعين راس مال الاجتماعي (capital social) وضع التسعيرات القضائية لأنظمة المؤسسة العمومية الاقتصادية الجديدة.
- وضع أولى مجالس الإدارة و مجالس المراقبة
المرحلة الثانية : تحققت في الفصل الثاني بمساعدة الأعضاء الجدد للإدارة واشتملت على :
- إعداد المخطط المتوسط المدى للمؤسسات العمومية الاقتصادية الجديدة من اجل تقدير التدفق النقدي المرتقب والاستدانة المؤقتة.
- دمج هذه الثوابت في عملية تقدير الهيكلة المالية الجديدة .
- تقدير واختيار النموذج المساعد و الضروري لإنشاء أصول صافية موجبة وكذلك في إعادة إنشاء راس المال العامل .
- كذا دخول المؤسسات العمومية داخل الإصلاحات مشيرة إلى استقلاليتها برفض الارتكاز على ما يلي :
الميزانية الكلية (macro_bilan) : الإعداد الشكلي للميزانية كلية تمت معالجتها محاسبيا سمحت بتقدير شامل للغلاف الضروري ,وتصورت الوسيلة لتمويله في إطار الدورة المالية للميزانية .
ميزانيات القطاعات : إنشاء ميزانيات القطاعات سمحت بتهوية للغلاف الإجمالي ,وبتقدير دقيق للإنجازات واحتياطيات كل قطاعهم ,خاصة الأكثر تدهورا في الناحية المالية المؤسسات .
إن المؤسسات مدعوة لتقديم ملفاتها حسب ما جاء في الدليل المرشد رقم (01) , حيث إن كل ملف يجب أن يتضمن :
- المستوى المرغوب فيه من راس المال الاجتماعي .
- المستوى اللازم من راس المال العامل .
والملف يجب أن يكون مرفوقا بالجداول التالية :
- الجدول التقديري لحسابات النتائج من خمسة إلى عشرين سنة قادمة
- الجدول التقديري للتدفقات النقدية .
- ميزانية 31/12/1987
- جدول حسابات النتائج 31/12/1987 م
وحين لم يتم تحضيرها ترسل في وقت لاحق
إن تحليل العينة الضخمة لميزانيات المؤسسات الوطنية والمحلية ,سمحت بتقدير أحسن لاحتياجات الاقتصاد الجزئي والتحكم كنتيجة لذلك بين إلزامات القاعدة وانشغالات المركز فمن بين تقريبا 350 مؤسسة وطنية ومحلية ,أربعة أنواع للمؤسسات تم إحصائها :
- مؤسسات الصنف (ا) قدمت أصل صافي موجب وأيضا رأس مال عامل موجب
- مؤسسات الصنف (ب) قدمت أصل صافي موجب وأيضا رأس مال عامل سالب .
- مؤسسات الصنف (ج) قدمت أصل صافي سالب وأيضا رأس مال عامل موجب .
- مؤسسات الصنف (د) قدمت أصل صافي سالب وأيضا رأس مال سالب .
الأربعة الأنواع السابقة الذكر ممثلة في الشكل التالي :

الصنف ا ب ج د
الأصل الصافي + + - -
رأس مال العامل + - + -
إن تحقيق المرحلة سابقة الذكر مبني على بدء التنفيذ للمقاييس و الإجراءات المحاسبية و القانونية و المالية .
1. مقياس النظام المحاسبي :
تشير إلى الشفافية والصدق لكل الحسابات المملوكة وحسابات الذمة المالية والتي يجب أن تحلل و تصفى بعناية من كل التسجيلات بدون قيمة محاسبية حقيقية ,على أساس التحاليل للحسابات في 31/12/1987 وأيضا على عمليات الجرد في نفس التاريخ ,التطهير المحاسبي يشير خاصة إلى حسابات الاستثمارات ,حسابات المخزون وكذلك حسابات الذمم ,وعلى هذا ينبغي على المؤسسات أن تقدم ميزانيتها المحاسبية الختامية لسنة 1987 مصحوبة بالجداول التالية :
- جدول الأصول الثابتة
- جدول المخزونات
- جدول الأموال المستحقة حسب سنة الاستحقاق
- جدول الأموال الجاهزة
- جدول الأموال الخاصة
- جدول الديون الطويلة والمتوسطة حسب تاريخ الاستحقاق
- جدول الديون قصيرة الأجل
- جدول الديون الضريبية
وعلى أساس هذه المعطيات تكون المؤسسات قد أعطت شرحا ووصفا لحلولها المقترحة .وبعد الانتهاء من هذه المعالجة نتحصل على أشكال مختلفة للميزانيات وهذا ما يفرض معالجة جديدة ذات طبيعة قانونية وأخرى مالية .
2. مقاييس النظام القانوني :
2-1. تحديد رأس المال الاجتماعي :
هو نظريا عملية لا تأتي إلا بعد إنجاز عمليات التطهير المحاسبي
,من أجل الحقيقة الواضحة التي لا نستطيع أن ندركها ,أمام وجود عجز غير مطهر ,والتي هي رأس مال اجتماعي مساوي أو أقل من هذا العجز .
في المخطط القانوني الملزم ,الفترة 690 قانون التجارة تشترط أن المؤسسة تحل أو تصفى إذا كان أصلها أقل من 25 % من رأس المال .
2-2. طريقة تحديد رأس المال الاجتماعي :
في هذه الطريقة الآجال الطويلة التي يمكن أن تفرضها عمليات التطهير المحاسبي ,ستعيق في أغلب الحالات مرور المؤسسات إلى الاستقلالية هي محاطة بالشكل المؤقت .
داخل ما ذكر سابقا كل مؤسسة تخصص فائض وناقص القيمة الذي تود استخرجه ,وتحسب الأصل الصافي الجديد والذي يخدم أساسا تحديد راس المال الاجتماعي .
كل مرة عندما نكون بصدد اصل صافي موجب من الممكن أن نقوم بإعانة المؤسسة العمومية الاقتصادية الجديدة براس مال اجتماعي (صنف ا,ب),وفي هذه الحالة طبعا راس المال الاجتماعي ليس تابعا لإشارة راس المال العامل الصافي .
إن راس المال العامل الصافي المرتبط بالأموال الدائمة هو انشغال من المرحلة الثانية يأخذ بعين الاعتبار في إطار التطهير المالي .




2-3. محتوى الطريقة :
طريقة تحديد راس المال الاجتماعي تتضمن نوعين من المعالجة المتتالية .
معالجة عامة قابلة للتطبيق أولويا لكل المؤسسات مهما تكن إشارة أصلها الصافي ,والتي تشير إلى بدء التنفيذ الحالي وبطريقة مؤقتة لعملية التطهــير المحاسبي .
معالجة خاصة مشكلة من مجموعة معادلات وصيغ تطبيقية مختلفة تشير إلى الترتيب الجيد للمؤسسات حسب صنف الهيكلة المالية ا,ب,ج,د واختيار المؤسسات ذات الأصل الصافي الموجب ا,ب والتي تمر حالا للاستقلالية .
على كل حال التخصيص المسبق لفائض وناقص القيمة يشكل انعكاس حالي للشكل الذي يمكن إن يكون عليه الأصل الصافي بعد البدء في التنفيذ الحقيقي لإجراءات التطهير المحاسبي ونتجنب إعانة المؤسسة براس مال يتعرض لخطر الانخفاض بعد مراجعته في نهاية العمليات المذكورة سابقا.
أ‌- المعالجة العامة :
على أساس الميزانية المحاسبية الموقوفة في 31/12/1987 المؤسسات تقوم بما يلي :
عملية إعادة المعالجة تشير إلى استرجاع الاستثمارات التي هي ملك للمؤسسة , ولكن ليست مسجلة محاسبيا , أو بالعكس تصفية الاستثمارات المسجلة محاسبيا ولكن تبقى في ملكيتها .
عمليات التطهير المحاسبي تشير إلى تصفية حسابات المخزون والذم من القيم الوهمية داخل الحدود المذكورة سابقا .
عمليات إعادة التقدير والتي تشير إلى إعادة تقدير الأصول الثابتة المادية القابلة للإهتلاك و العملياتية . ومن البديهي إن عملية إعادة التقدير تأتي بعد عمليات إعادة المعالجة المحددة مسبقا (المعالجة العامة ).

العمليات الثلاثة المذكورة سابقا تترجم إجماليا بطريقة محاسبية بالكتابات التالية والتي تعمل على التأثير على تغيير النتيجة المجمعة في نهاية 1987, ومن ثمة الأصل الصافي في نفس التاريخ .
عمليات إعادة معالجة الاستثمارات :
من أجل الاسترجاع:
استثمارات
فرق إعادة التقدير 

من أجل تقليص الاستثمارات:
فرق إعادة التقدير
استثمارات صافية 

عمليات التطهير المحاسبي :
مخزون
نتيجة 

نتيجة
مخزون 

نتيجة
زبائن 

عمليات إعادة التقدير:
أصول ثابتة
فرق إعادة التقدير 






ب‌- المعالجة الخاصة:
المجموع الجبري لعمليات إعادة التقدير المذكورة سابقا والقريبة من النتيجة المحاسبية في نهاية 31/12/87 ,تترجم بتغير هذه النتيجة بالارتفاع أو بالانخفاض , وبتغير منطقي في الأصل الصافي .
طريقة التحديد الحالي لرأس المال الاجتماعي تكون إذن وظيفة صنف الهيكلة المالية التي يمكن أن تربط إليها المؤسسة :
المؤسسة التي تنتمي إلى الصنف" أ ":
تتصنف بأصل صافي موجب و رأس مال عامل موجب أيضا .
في هذه الحالة رأس المال الاجتماعي المحسوب على الأصل الصافي , سيوافق نسبة من الاستثمارات الصافية المحددة من القطاع الذي يمكن أن تكون المؤسسة المعينة المنسوبة إليه . في حالة أين القيمة الصافية للاستثمارات منعدمة , نفس النسبة ستحسب على الأموال الدائمة. هذه النسبة المحسوبة وفقا للحالة على الاستثمارات الصافية أو على رؤوس الأموال الدائمة هي على الأقصى :
30 % للصناعة الثقيلة والطاقة.
%25 لصناعة الخفيفة, السياحة ….
20 % للقطاعات الأخرى .
كل مرة عندما يكون مستوى الأصل الصافي يسمح بتغطية النسبة المطلوبة رأس المال سيأخذ بعين الاعتبار بأن لا يعاد النظر فيه لأجل , ورصيد الأصل الصافي سيسجل محاسبيا مثل ترحيل إلى مستفيد جديد .
في الحالات أين الأصل الصافي القاعدي سيظهر أقل من أحد النسب المذكورة سابقا, ولكن أعلى من الحد الأدنى القانوني , هذا الأصل الصافي سيكون بنفسه و كاملا
مسجلا محاسبيا مثل رأس مال أولي مؤقت في انتظار مراجعته التي ستجري في نهاية عمليات التطهير المالي .
في الحالة الأخيرة أين رأس المال المستخرج والذي هو مساوي للأصل الصافي سيظهر أقل من الحد الأدنى القانوني 300.000 د ج للشركات ذات الأسهم SPA و30.000 د ج للشركات ذات المسؤولية المحدودة SARL ) , سيكون رأس مال محدد وفقا للنسبة الخاصة بكل قطاع , وتأكيده يكون عند بدء التنفيذ لعمليات التطهير المالي .
المؤسسة التي تنتمي إلى الصنف "ب":
تتصف بأصل صافي موجب وراس مال عامل سالب .
الانشغال الحالي هو التحديد لراس المال الاجتماعي ,ويكون مؤسس على الأصل الصافي الموجب ,حساب راس المال الاجتماعي يخضع لنفس القواعد السابقة ,ويظهر جليا أنه مكون ذاتيا من الأصل الصافي بدون إعانات أو مساعدات خارجية .
المؤسسة التي تنتمي إلى الصنف "ج":
معرفة بأصل صافي سالب وراس مال عامل موجب .
المؤسسات في هذه الحالة تجد نفسها تقدم أموال خاصة سالبة وراس مال عامل ممول برؤوس أموال مقترضة على المدى الطويل والمتوسط ,هذا الصنف من المؤسسات يطبق أو يتضمن نوعين من المساعدة :
- مساعدة موجهة لامتصاص العجز
- مساعدة موجهة إلى الإعانة بالضبط في رأس المال
في هذه الحالات بالتأكيد رأس المال الاجتماعي اختلط مع الأصل الصافي
إن رأس المال الأولي لهذه المؤسسة سيحسب كالتالي :
- داخل الحد القانوني لـ 300000 دج المادة 694 من القانون التجاري .
- داخل الحد الأقصى الموافق لأحد النسب السابقة المحددة بالنسبة للاستثمارات الصافية . هذا الحد الأخير يكون بنفسه تابعا لإمكانيات تحويل الديون طويلة
الأجل إلى مساعدات نهائية وهو نفسه , وهو نفسه محدد تبعا لقدرات التدخل الخارجي للدولة .
المؤسسة التي تنتمي إلى الصنف " د " :
معرفة بأصل صافي سالب و رأس مال عامل سالب أيضا :
وهنا نعني بالمؤسسات الأكثر تدهورا من الناحية المالية , وهي تستلزم مساعدات الدولة لها من أجل :
- تطهير عجزها
- إعادة إنشاء رأس المال العامل الموجب .
رأس المال الاجتماعي لهذه المؤسسات يحسب مثل ما ذكر سابقا . غير أنه في حالة عدم وجود أو عدم كفاية الديون طويلة المدى والتي من الممكن أن تحول إلى مساعدات نهائية , سيكون إجباريا القيام بمساهمات بالأموال الجاهزة في جميع أحوال هذه المؤسسات ( صنف ج , د ) والتي لا تقدر الدخول إلى الإصلاحات قبل التطهير المالي ترسل إلى مركز الاقتراحات لتحديد رأس مالها الاجتماعي .
3. مقاييس النظام المالي : تتعلق أساسا بـ :
إعادة إنشاء أصل صافي موجب
إعادة إنشاء رأس مال عامل موجب
3-1. وجود أصل صافي موجب شرط بدونه رأس المال الاجتماعي لا معنى له , سواء من الناحية المالية القانونية .
إعادة إنشاء أصل صافي موجب وكذلك مستوى هذا الأصل الصافي مقارنة برؤوس الأموال الدائمة يكون تبعا لـ :
- لمستوى العجز الكلي للتطهير
- لأهمية الديون على المدى الطويل والمتوسط .
الأصل الصافي سيعاد إنشاؤه وفقا للحالة :
- بواسطة تحويل الديون الطويلة والمتوسطة المدى إلى مساعدات نهائية و /أو قروض مساهمة .
- بواسطة مساهمة بأموال جاهزة من اجل إعانة رأس المال.
3-2. إعادة إنشاء رأس مال عامل موجب .
هذه العملية تشير أساسا إلى إعادة هيكلي المديونية للمدى الطويل والمتوسط التي تدخل في تكوين رؤوس الأموال الدائمة ومن أجل عمل ذلك فقد أشير إلى إجراءات تطبيقية واسعة ومرتبة حالة بحالة .
الإجراءات النهائية التي ستكون في بدء التنفيذ تخص :
- تحويل السحب على المكشوف لقرض في المدى المتوسط
- إطالة استحقاقات القروض في المدى الطويل والمتوسط .
- مراجعة المعدلات و آجال التسديد تبعا للنشاط الممارس .
- القرض المتناوب
- أخذ أفضل جزء من الأموال الجاهزة المرسلة للاحتياطات.
- دفع مسبق للديون الطويلة و المتوسطة.
- مساهمة بأموال جاهزة (الحالة المستحقة للإعانة في راس المال).
- تحويل الديون طويلة المدى للمساعدات النهائية و/أو قروض مساهمة.
المطلب الثالث: التقنيات المالية المتعلقة بالتطهير المالي:
وهنا فرق بين ثلاثة أنوع من المؤسسات :
1. مؤسسات مستقلة :
1-1. المرحلة الأولى :
أ‌- يحدد وفق اتفاق جماعي بين البنك والمؤسسة السحب على المكشوف النهائي والحقيقي
تحديد مستوى قرض الاستغلال على المدى القصير الموافق لـ 6و9 أشهر من رقم أعمال وفقا للمؤسسة .
ب‌- تدعيم البنك للرصيد بقروض على المدى الطويل والمتوسط .
تخضع هذه القروض للشروط العادية للتعويض أو التسديد
1-2. المرحلة الثانية :
هذه المرحلة نتيجة للمخطط التعديل أو الإصلاح الذي يسمح بـ
أ‌- إعادة شراء (rachat) جزء من السحب على المكشوف المدعم (consolidé) بإصدار أموال مساهمة أو سندات من الخزينة و خصوصا الذمم على الإدارات العمومية والمجموعات المحلية والمنظمات المشابهة .
ب‌- إعادة رسملة المؤسسة من طرف صناديق المساهمة مع عمليات التدعيم البنكي وإعادة الشراء من طرف الخزينة بصدد إعداد الهيكلة المالية الإجمالية للمؤسسة
ج‌- إصدار ضمانات على جزء من القروض البنكية من طرف صناديق المساهمة أو بالأحر من طرف الهيئة المالية المختصة .
د‌- تلتزم هذه المؤسسات بتقديم مخططات للتعديل من أجل عرضها على البنك , وكذلك صناديق المساهمة .
2. مؤسسات غير مستقلة :
2-1. المرحلة الأولى :
أ‌- يحدد وفق اتفاق جماعي بين البنك والمؤسسة السحب على المكشوف النهائي والحقيقي .
ب‌- تحديد مستوى السحب على المكشوف العادي على أساس 06 إلى 09 أشهر من رقم الأعمال حسب المؤسسة , جزء أو كل هذا السحب على المكشوف يدعم إلى قرض بنكي على المدى المتوسط مع تأخير التسديد إلى سنتين على الأقل .
هذه القروض تخضع إلى الشروط العادية للتعويض .
ج‌- يتم تجميد السحب على المكشوف العادي إلى سنتين فما أكثر.
لا تتحمل المؤسسة الأعباء المالية لهذا السحب على المكشوف , البنك يعوض على أساس لجنة التسيير لأموال التطهير بنسبة تحدد إلى كل بنك من طرف بنك الجزائر بالاتفاق مع الخزينة ومندوب التخطيط .
د‌- القروض البنكية المخصصة لتغطية المصاريف اللازمة للإنتاج والغير مسددة في نهاية السنة تستفيد من ضمان خزينة الدولة في إطار إجراءات مخطط التعديل .
2-2. المرحلة الثانية :
أ‌- القيام بخبرة من أجل إعداد مخطط التعديل للمؤسسة باقتراح منها أو من طرف هيئة معدة خصيصا لهذا الغرض .
ب‌- إعادة شراء الذمم البنكية من طرف الخزينة بعد تطهير السحب على المكشوف غير العادي المجمد .
ج‌- تسبيقات من أجل إعانة أو استرجاع التوازن للمؤسسات , وهي ترتبط بأموال التطهير على أساس نضج مخططات التعديل المحددة بعد عملية الخبرة , وتحدد بالنسبة لكل مؤسسة من طرف المجلس الوطني للتخطيط (CNP) .
د‌- في إطار عملية المرور إلى الإستقلالية إعانات في رأس المال الاجتماعي تقرر من طرف المجلس الوطني للتخطيط .
3. مؤسسات منحلة :
تشير هذه الفئة إلى السحب على المكشوف للمؤسسات المنحلة والتي تم عملية إعادة هيكلتها " في إطار برتيبات الأمر 80/242 المؤرخ في 04/09/1980 المتعلق بالشروع في إعادة هيكلة المؤسسات " .
أ‌- إعادة الشراء على شكل إصدار سندات coupon zéro من طرف الخزينة , على 20 سنة بمعدل 05 % سنويا .
ب‌- تسجيل الفوائد المتحصل عليها في أصول ميزانية البنوك .












المبحث الثالث :
دور مختلف العملاء في سير عملية التطهير المالي والمتناقضات المطروحة
المطلب الأول : بالنسبة لدافعي فاتورة عملية التطهير :
إن احتياجات عملية التطهير تتطلب أولا إعادة توزيع السلطات الاقتصادية , المالية والنقدية ثم تحيد الأدوار التنظيمية للاقتصاد الممارس من طرف الإدارة المركزية ( الأسعار , الضرائب , الأجور .....) من خلال تشريع جملة من القوانين , موجهة أساسا إلى وضع اقتصاد تكون في سياقه علاقات عمل قادرة على توفير الموارد المالية الضرورية لعمليات التطهير .
وعلى ضوء هذا وبالإضافة إلى الموارد الخارجية من القروض وعائدات الطاقة ( بترول وغاز ) , يمكن أن نحدد الموارد الممكنة لتغطية متطلبات تطهير المؤسسات والتي نجدها على مستوى النشاط الاقتصادي :
1. المواطنون :
تستطيع السلطات إنشاء سيولة بنكية لتقدمها للمؤسسات , هذه السيولة النقدية تؤدي إلى التضخم , وهي بذلك تساهم مباشرة في انخفاض قيمة العملة وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن .
بما أن التضخم هو ضريبة الفقير و أصحاب الدخل المحدود فإن هذه الفئة هي التي تتحمل عبء هذه العملية .
هذا المورد استعمل كثيرا في الماضي ويشهد على ذلك كمية الأوراق المالية المستعملة بالمقارنة مع الإنتاج , وصارت هذه العملية مستحيلة لأسباب ثلاثة على الأقل :
 الأولى أنها تتنافى مع سياسة محاربة التضخم التي يتبعها البنك المركزي .
 الثانية أنها غير شرعية بالنسبة لقانون النقد والقرض الذي يمنع كل سيولة نقدية غير مؤسسة .
 والثالثة وهي الأهم كون هذه العملية غير شعبية .

2. دافعوا الضرائب :
كان من الممكن إن تقرر الدولة ضريبة خاصة لتمويل عملية التطهير .
غير أن هذا المورد الثاني يتمثل في أولئك الذين يدفعون فعلا ضرائبهم و خاصة الأجراء و أولئك الذين يتحملون حقوق الجمركة المرتفعة جدا والضرائب الثانوية التي تمول المواد الأولية والضرورية .
إن ارتفاع التحصيل الضريبي قد يأتي من ارتفاع مدخول الضريبة , وذلك بالإخضاع الفعلي بالاقتصاد الوطني ومحاربة التهرب الضريبي , لذا يجب تعديل المهام والوسائل والتنظيم الإداري لتحقيق هذا الهدف .
إن التوفير في الميزانية المحصل عليه سنة 1990 خصص كليا للتطهير ( يتعلق الأمر هنا بـ : 12 مليار من الناتج الايجابي للميزانية , و 5 مليار آتية من الخزينة العمومية هي إذا 17 مليار من التوفير الحقيقي التي خصصت للتطهير ) , ونشير إلى أن هذا المورد هو الذي سمح بإقرار عملية التطهير .
3. المستهلكون :
تستطيع المؤسسة ورفع الأسعار وبذلك رفع هامش الربح لتكون بذلك مخزون نقدي تستعمله لاختصاص الاختلال النقدي , إلا أن الأمر مرتبط بمجموعة من الضغوطات تتمثل في حصة السوق , حيث تعرض المؤسسات نفسها لخسارة جزء من السوق لانخفاض الطلب ولوجود المنافسة , هذا الجزء الذي يصبح من الصعب استرجاعه فيما بعد,لم تكن عملية رفع الأسعار التي لوحظت أخيرا ممكنة إلا لكون أجهزة مراقبة الأسعار غير فعالة من جهة ومن جهة أخرى أن الطلب الحقيقي يسمح برفع الأسعار دون خطر فقدان أجزاء من السوق .
4. المؤسسات نفسها :
إن المورد الرابع يمكن ويجب إن يكون في رفع الإنتاج العام للمؤسسات المالية وغير المالية , وهنا تكمن كل الإشكالية , وذلك من خلال طرح السؤال التالي : كيف ترفع الإنتاج ؟
إن مجتمعنا يمر بأزمة عميقة ومختلفة الأبعاد إلا أن العمل المنظم والمراقب والمثمن فرديا وجماعيا وحده , يستطيع اليوم رفع هذا التحدي , كما أن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية تستطيع اليوم بل يجب عليها أن تكتشف تناقضات مصالح حتى يمكننا وضع حلول لكل المشكلات .
على كل حال من بين هذه الموارد الأربعة فان المورد الأخير هو الأهم والأكثر طلبا ولمدة طويلة وهو الذي يضمن تطهير الديون وضمان البقاء والمستقبل .
المطلب الثاني : بالنسبة للسلطات الاقتصادية :
إن التجارب السابقة التي عاشتها المؤسسات الاقتصادية فيما يخص تطهير ديونها , أثبتت وبكل وضوح فشل هذه الأخيرة في العودة إلى توازنها , نظرا لان عمليات التطهير السابقة لم تستهدف الأسباب الحقيقية للعجز الكبير لهذه المؤسسات . وحتى لا تظل عملية التطهير مطروحة إلى الأبد ولا تكون مجرد سراب يخدع المواطن والمتعامل الاقتصادي , يجب أن تكون القرارات واضحة ومحددة والمسؤوليات المعروفة , وتكون جميع العمليات متناسقة فيما بينها على كل المستويات , حتى لا تكون الاعتمادات المخصصة مجرد أموال مبعثرة وغير فعالة وتكون وسيلة لإعادة التوازن المالي للمؤسسات .
وعلى ضوء هذا يمكن إن نحدد المسؤوليات الآتية التي نجدها على مستويات مختلفة التي نعتبرها أداة لتطبيق ومراقبة كل الإجراءات و التعهدات المنصوص عليها للوصول إلى الهدف الحقيقي لعمليات التطهير .
1- بنك الجزائر :
يعمل على تحويل السحب على المكشوف.
تحسب مستويات راس المال الخاص بكل بنك.
على هذا الأساس تقدم الاعتمادات للبنوك.
2- المندوبية الوطنية للتخطيط :
تأخذ كل التدابير الضرورية لإعداد قاعدة شرعية لكل الخطوات و الأسلوب العملياتي.
تسير تعهدات الدولة تجاه المؤسسات التي تتعامل معها.
تراقب كل التعهدات لجميع المؤسسات.
تسهر على إعداد مخططات إعادة الهيكلة الصناعية للمؤسسات غير المستقلة.
3- الخزينة العمومية :
- تحول ذمم البنوك و المؤسسات إلى أسهم وتغطي ذات المدى البعيد الخاصة بالبنك الجزائري للتنمية......
- تسيير أموال التطهير حسب قرارات المندوبية الوطنية للتخطيط.
- تقدم لصناديق المساهمة رؤوس الأموال الخاصة لرفع راس مال البنوك والمؤسسات.
4- البنوك :
- تحول السحب على المكشوف للمؤسسات إلى ديون طويلة و متوسطة الأجل.
- تتكفل بالذمم التي لا يمكن ترقيتها.
- تناقش مخططات إنعاش المؤسسات و تسهر على تطبيق التعهدات.
- تحترم جميع القوانين و التعهدات الخاصة بالضمانات.
5- المؤسسات العمومية :
- تدرس جميع ذممها و تسهر على تحويل السحب على المكشوف.
- تطبق تعهداتها تجاه المندوبية الوطنية للتخطيط.
- تنجز الملفات المتعلقة بإعادتها رسملتها.
- تنجز مختلف التشخيصات لجميع أعمالها.
- تختم جميع مخططات الإصلاح و التعديل و تناقشها مع صناديق المساهمة و البنوك.
6- صناديق المساهمة:
- تحدد الإجراءات المستعجلة الخاصة بالمؤسسات غير بنكية.
- تعمل على رفع راس المال للمؤسسات و البنوك.
- تقدم ضمانات خاصة على القروض التي تقدمها البنوك للمؤسسات.
- تسهر على إعداد مختلف الشخصيات و مخططات الإصلاح للمؤسسات.
المطلب الثالث : التناقضات المتعلقة بالشروع في عملية التطهير :
عملية التطهير للمؤسسات أصبحت معقدة بسبب الوضعية الصعبة على ضوء ثلاثة إكراهات كبيرة :
عدم الاستقرار السياسي و الاجتماعي جعل من الصعب عملية تحقيق إجراءات التطهير
امتداد احتياجات التطهير (تقريبا كل المؤسسات الوطنية و المحلية متدهورة هيكليا) يقدر أن يستدعي على السلم الاقتصادي الكلي اختبارات صعبة لمعاملتها.
فتح السوق الوطنية للمؤسسات الخارجية تفرض سرعة في هذه العملية للتطهير , و التي ترتبط بضعف مع ضعف وسائل الدولة (ندرة العملة , ضعف تسهيلات الادخار...).
و مع عدم كفاية القدرات المالية و الخبرة الإدارية فإن احتمالات نجاح إجراءات التطهير لا بد أن تكون متواضعة نظرا للمشاكل القوية التي يمكن أن تظهر و تبرز وقت الشروع في تنفيذها .
في هذا الصدد نود أن نلفت النظر إلى بعض الملاحظات التي في جوهرها تستحق أن تأخذها الهيئات العمومية بعين الاعتبار
- عنصر مهم في أصل عدم التوازن المالي للبنوك و المؤسسات لم يفكر فيه في الوضعية الحالية ,ولم يأخذ بعين الاعتبار في خطة التطهير المالي و هو فقدان الصرف ,هذه الظاهرة يمكن أن تقلص إلى لا شيء مجهودات التطهير
- التناقض الواضح للفوائد الموجود في النظام الخاص بصناديق المساهمة يحذر من التفاقم أثناء بدأ تنفيذ إجراءات التطهير و إعادة الهيكلة.

- ضعف التعويضات الممنوحة على السندات coupon zéro و على تجميد السحب على المكشوف غير العادي للمؤسسات غير المستقلة ,والتي يمكن أن تكون مضرة لحسابات الاستغلال للبنوك
- عدة تساؤلات لا توجد لها أجوبة في النصوص المنشورة من طرف الهيئات العمومية :
. هل توجد خبرة حقيقية و كافية لتقويم المؤسسات و إعداد مخططات التعديل و التطهير ؟ .
. بأي ميكانيزمات ستكون التعديلات بين خيارات المؤسسات و السياسة الصناعية ؟
- إعادة الهيكلة الصناعية أصبحت صعبة بواسطة الصلابة التي مست حركية العوامل ,و أهمها اليد العاملة مقابل مشكل السكن
- إعادة الهيكلة الصناعية و التطهير المالي تضع مشكل معالجة الفائض في التشغيل ,وهذا ما يطرح مشكل آخر هو تصور وصياغة البرامج التعديلية للحماية الاجتماعية (تأمين,بطالة ,ميكانيزم ما بعد التقاعد ....).













خاتـــــــــــــمة :
من خلال التحليل السابق يظهر جليا أن مشكلة المؤسسات العمومية تتمثل في اختلال التوازن المتعدد الأشكال ,و الحل لهذا الوضع لا يمكن فقط بمجرد تكثيف الإصلاحات ,إنما يجب إحداث تغييرات جذرية على هذه المؤسسات ,و الملفت للانتباه تلك التقارير و الموضوعات التي تكاثرت و تواترت حول عمليات التطهير المالي ,إلا أنه رغم تكاثر هذه الموضوعات و التحقيقات فإن قلة منها هي الشاملة و المهمة بالمفاهيم الأساسية الكامنة وراء هذا التوجه .
فبرنامج التطهير المالي هو في جوهره مجموعة شاملة من التدابير التي يقصد بها تحقيق مجموعة من أهداف الاقتصاد الكلي .
و إذا اعتبرنا أن التطهير المالي في الجزائر موضوعا يكتنفه الخفاء و الغموض ,وجب الإلمام بكل جوانبه و أن يكون محل دراسات عميقة ,ورغم أنهلا تزال هناك نقاط استفهام كثيرة تحيط بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه العمليات ,فإنه كان هناك موقفا جماعيا على أن التطهير المالي مخرج مضمون للمؤسسات العمومية الاقتصادية .
إذ ا خلاصة هذه الدراسة البسيطة هو تحديد مفهوم التطهير على أنه سياسة اقتصادية تعد المرحلة الأخيرة للمرور إلى الإستقلالية و تمهيدا لاقتصاد السوق ,كما يشير هذا المفهوم إلى ضرورة توفر وضعية ملائمة للمؤسسات قبل البدء في تطبيق هذه السياسة .
أما فيما يخص تطبيق التطهير المالي في الاقتصاد الجزائري فقد أوضح تحليل إستراتيجيات التنمية للمؤسسات العمومية أنها في حاجة ملحة لهذه السياسة ,وذلك لاستكمال الخطوات الضرورية لإتمام مسيرة التحول الاقتصادي .و أكدت الدراسات و التجارب السابقة على ضرورة تناسق برنامج التطهير المالي لكل التعهدات المبرومة من أجل الوصول إلى الأهداف الحقيقية للتطهير المالي وتحقيق البقاء و الاستمرارية للمؤسسات العمومية