عولمة حقوق الإنسان و الأمن









د.امحند برقوق،

قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية ( جامعة الجزائر) و المعهد الديبلوماسي و العلاقات الدولية (وزارة الخارجية)

أدت الحرب الباردة و اندثار القطبية القيمية و الاديولوجية و صراعاتها الاستقطابية إلى وضع مجموعة من المعالم غير المتجانسة لترتيبات عالمية تتوافق و التوزيع العالمي للقوة .

فمع انتصار المعسكر الغربي و التفوق المادي للولايات المتحدة انطلقت مجموعة من المحاولات الفكرية الهادفة للتأسيس للعالم ما بعد الحداثي حسب منظور ليبرالي جديد قوامه الأنساق القيمية للغرب الحضاري (حقوق الإنسان، ديمقراطية و اقتصاد السوق الحر ...) و هدفه إعادة تشكيل العلاقات الدولية بعيدا عن المبادئ المؤسسة للقانون الدولي من سيادة و تساوي قانوني للدول و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، بشكل يتوافق و الأهداف و التطلعات الإستراتيجية للولايات المتحدة.... انه عالم يريد له أن يكون ما بعد و ستيفاليا بل غربيا و مستجيبا لمنطق الأمركة النفعية من جهة، و الغربنة الحضارية من جهة أخرى. و هذا ما ذهب إليه أنصار ما بعد الحداثية السياسية من أمثال فرانسيس فوكوياما و هانتجتن و هلد و يورغنسماير و غيرهم (1).

فنهاية التاريخ التي روج لها أنصار هذا التيار بعد صدور كتاب فوكوياما (1989) لم يكن إلا محاولة لتبرير الأطروحات الحدثية الرافضة لاحتمالات بروز تصورات جديدة على أنقاض " الاشتراكية البولشيفية " التي تمكنت بفعل القوة العسكرية و الهيمنة الاديولوجية على شرق ووسط أوربا. وصورت هذه الطروحات بالتالي المستقبليات الممكنة للعالم بغربية ... و أن كل محاولة للارتقاء الحضاري بالصراعية و المنتجة لأزمات دولية عنيفة بالضرورة باسم صراع الحضارات (هنتجتن) أو صراع الأديان (يورغنسمار ) أو باسم الهوية Eriksen .

و من اجل بناء ترتيبات عالمية منتجة للسلم يجب التخلي على الخصوصية و السعي لعولمة قيم حقوقية أو سياسية أو اقتصادية بشكل نمطي لإنشاء الاستقرار الذي لا يمكن أن ينتجه إلا النظام الديمقراطي كما ذهب إليه تاريخيا كلا من اليغري دانتي (في عصر النهضة الايطالية ) و ايمانويل كانط (في عصر الحداثة ) و الذي يروج له حاليا من طرف الكوسموبوليتانيون الجدد ( هلد، ماك قرو، كريس براون ...الخ ) . و تماشيا مع هذا المنطق ، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 44 في ديسمبر 1989 إلى إعادة بناء تصور تكيفي لحقوق الإنسان بشكل يتوافق و طبيعة التوزيع العالمي للقوة و طبيعة البناءات الفكرية لعالم ما بعد الحرب الباردة.

فالمؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان الذي انعقد بفينا في جوان 1993 انتح إجماعا كونيا (من 172 دولة ) حول قراءة جديدة للنسق الحقوقي العالمي من خلال التأكيد على الطبيعة الإنسانية كمصدر مرجعي لهذه الحقوق، و إن كل مصدر أخر ما هو إلا نسبي سواء ارتبط بدين أو بتاريخ أو ثقافة أو عرق أو لغة ... فكان لزاما على المجموعة الدولية بإقرارها لإعلان (من39فقرة ) و برنامج عمل من 100 خطوة إعمال هذه النمطية القيمية لهندسة أنظمتها الدستورية و القانونية بشكل يتوافق مع هذه المنطلقات المعيارية، مع بناء ضمانات قطعية لتمكين حدي للإنسان من حقوقه كشرط يجعل الفرد ينتفع بأكبر قدر من الحاجات الإنسانية في ظل نظام سياسي قوامه الديمقراطية المشاركتية و دولة الحق و القانون ، و العقلانية السياسية المعرفة بالصالح العام و الخدمة العامة في سياق وطني يمكن التساوي الفعلي في الفرص و الحقوق .

إلا انه و مع هذا الطموح القيمي و المعياري الكبير القائم على كونية السلم الديمقراطي و تغليب الحوار على العنف و الدبلوماسية على الحرب، فقد عرف عالم ما بعد الحداثة أكثر لأزمات عنيفة و أكثر تقتيل سياسي منه من أي فترة في ظل الحرب الباردة و هذا ما جعل Robert Kaplanتحدث عن الفوضى القادمة و Ulrich Beck يتحدث عن مجتمع المخاطر و James N.Rosenau عن الاضطرابات في العلاقات الدولية.

في ظل هذا التناقض بين واقع ازموي مليء بالعنف و تطلع لانسنة المعاملات داخل الدول و ما بينها كيف يمكن تصوير الظاهرة الأمنية في عالم ما بعد الحداثة .

*الإشكالية الأمنية و مفارقات الأنسنة:

من بين الحركيات الازموية التي عرفها عالم ما بعد الحرب البادرة هو تفاقم الانسداد الاستراتيجي الذي أنتجته نهاية الإمبراطورية السوفيتية و الإعلان عن عهد الصدارة الأمريكية أو القوة الخارقة الأمريكية l'Hyperpuissance américaine
(حسب السياسي الفرنسي H.VEDRINE) التي أفضت إلى هرمية جديدة للقوة في بداية القرن الواحد و عشرون منطقه البحث عن مصادر إضافية للقوة في ظل إستراتيجية قائمة لاحتواء الحركيات التي قد تنتج قوة كونية منافسة . فالمخطط التوجيهي للدفاع الأمريكي DEFENCE PLANNING GUIDANCE (1992-1994) كان قد أعلن عن منطق هيمني LOGIQUE HEGEMONISTE بالمعنى الذي طوره R.COX في مقاربته لتحول مفهوم القوة و محتواه ... الهيمنة بنيويا على مستوى الحكم العالمي ... و هيكليا على كل مصادر القوة ( الطاقة و الاقتصاد و التجارة و التكنولوجيا و المعلومات التي وصفها NIXON بالرأسمال الأساسي ESSENTIAL CAPITAL في السبعينيات من القرن الماضي.

لقد أدى هذا المنطق الهيمني بالولايات المتحدة الأمريكية إلى أن تخوض حروبا متكررة ابتداء من حرب الخليج الثانية 1990-1991 و ما تلاها من كوارث إنسانية نتيجة الحرب و ما ثلاها من عقوبات ضد الشعب العراقي كلف وفاة أكثر من مليوني طفل و تراجع في مستوى كل الخدمات الأساسية من صحة وتعليم و توفير الغذاء و الماء و الكهرباء ..... لقد كانت حربا و عقوبات أنهكت مجتمعا محاصرا قبل أن يعتدي عليه و يقضى على دولته في 09 افريل 2003 و يحكم من طرف أكثر من 150 ألف عسكري أمريكي و يقتل منذ ذلك التاريخ أكثر من 1.2 مليون شخص . و بسبب الاحتلال الأمريكي هاجر أكثر من 4 ملايين مهاجر عراقي كلاجئين مع تحطيم الهياكل القاعدية للدولة وشعل النعرات الطائفية التي أفقدت المجتمع معالمه و تجانسه ووطنيت ه .

كما أدت هذه السياسات العسكرية الانفرادية إلى إعلان حرب عالمية على ظاهرة غير معرفه أصلا "الإرهاب". أدت هذه الحرب إلى احتلال أفغانستان، ضرب السودان، الصومال ... و إنشاء معتقلات سرية و أخرى غير سرية (لعار أمريكي لا إنساني بخليج غوانتانامو بالأراضي الكوبية المحتلة و التي تعد سابقة تاريخية فيما يخص الاعتقال دون تهمة و لمدة طويلة دون محاكمة و بشكل لا إنساني المعاملة ... و هذا ما جعل عدد من المنظمات الحقوقية العالمية و منها ..HUMAN RIGHTS WATCH وAMNESTY INTERNATIONAL تنتقد الإدارة الأمريكية على إفلاسها الأخلاقي ....

كما عرفت هذه المرحلة تنامي الإرهاب كظاهرة مرضية و إجرامية عبر وطنية تهدد امن الدول و العالم و المجتمعات و الإنسان بشكل جعل الكثير من المحللين الأمنيين يعرفون الإرهاب بالطاعون القاتل الذي لا يفرق لا بالدين و لا بالجنس و لا بالمستوى الإجتماعي و لا بالعرق و لا باللغة ... إجرام همجي بدون ضمير و لا رحمة .... فالإرهاب هو اكبر مهدد للحق في الحياة والاستقرار و الشروط التأسيسية لتنمية مستدامة و ممكنة للإنسان فعليا من حقوقه بانتفاعه من حاجاته .

بالإضافة إلى ذلك عرف العالم تفكك عدد من الدول انطلاقا من الاتحاد السوفياتي، يوغوسلافيا، تشيكوسلوفاكيا مع تفتت التنظيم الداخلي لعدد من الدول خاصة في إفريقيا و انهيار الصومال... الحروب الأهلية في ليبيريا و سيراليون و السودان و الكونكو ... و بروز عمليات التطهير العرقي في البوسنة و الهرسك و في رواندا ...و التي حولت ببشاعتها مبدأ السيادة من التقديس للوظيفية .... فأصبح و اجب الحماية منطقا قد عوض مبدأ عدم التدخل و قاعدته المؤسسة في المادة 2(7) من ميثاق الأمم المتحدة .

و مازاد من هذه الحركيات الإنسانية هو انتشار الأزمات البيئية، الأوبئة ، الفقر و كثرة المجاعات و تفاقم حجم الاستدانة الخارجية للدول المتخلفة بشكل لم يسمح لها من تحقيق الحد الأدنى المطلوب من الحاجات ... وهذا ما يقتضي تصورا متكاملا و إنسانيا و تضامنيا .

* الأمننة الدولية و إشكالية التمكين الحقوقي للإنسان العالمي

من اجل مجابهة هذه المخاطر المعقدة و المتناقضة و المتنوعة اقترح عدد من الباحثين و منهم أقطاب مدرسة بكوبنهاجن من أمثال Barry Buzan Ole Waever ; وكذلك تقارير لجنة الأمن الإنساني Commission on Human Security إلى ضرورة توسيع مفهوم الأمن لينتقل من مجرد التعامل مع التهديدات و المخاطر الصلبة (العسكرية ) لأن تشمل اللينة منها أيضا (غير العسكرية )، و هذا يقتضي الربط الفعلي بين مسائل السلم و الديمقراطية و التنمية الإنسانية المستدامة و الرشادة الأمنية التي تقوم على ضرورة وجود مجموعة من الشروط لمنع تفاقم الحركيات المنتجة للأمن و من هذه الشروط مايلي :
1- بناء تصور عملي للسلم بإنشاء آليات مجرمه للعدوان أو لجرائم الإبادة أو التصفية العرقية، و هذا ما أقرته معاهدة روما المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية التي تطورت بعد أن انشات المحكمتين الجنائيتين الدوليتين الخاصة بيوغوسلافيا /رواندا .
2- تطوير الآليات الدبلوماسية الوقائية لفض النزاعات و احتواء الأزمات قبل انتشارها عبر الحدود ( أزمات البحيرات الكبرى مثلا )
3- تطوير آليات الدبلوماسية الإنسانية بشكل ينمي احتمالات غياب التعديات السافرة لحقوق الانسان و يحقق تنمية حقوقية فعلية داخل المجتمعات التي خرجت من أزمات سياسية داخلية
4- ضرورة الإقرار بفلسفة التضامن العالمي عندما تكون هناك أزمات طبيعية أو إنسانية
5- ضرورة تطوير تصور اجتماعي حول الظاهرة الإرهابية و المنطق العملياتي لمحاربتها .
فبإمكان مثل هذه الشروط و الآليات أن ترفع من المناعة الدولية إتجاه هذه التهديدات و المخاطر بشكل يرفع من وتيرة الايجابية القيمية العالمية .

الخاتمة

لقد أدت هذه المفارقات بين الانسنة و غياب السلم بمعناه الشامل إلى خلق حوارات نظرية و فكرية عديدة حول ضرورة توسيع أفاق التحليل الأمني ليشمل ليس فقط الأزمات البينية و لكن أكثر الاثنية و الدينية و الهوياتية، و كذا التركيز على التهديدات اللاتماثلية أكثر منها الدولية لأنها في تكاثر و انتشار مستمر .

فالأمن و حقوق الإنسان معادلة صعبة المنال في عالم المصالح المتضاربة و التصورات المتناقضة و الحب الطبيعي للصدارة كما قال De Maistreفي القرن 18.